أخرج الإمام عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عباس - ﵁ - " «أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن ابني به جنون، وإنه ليأخذه عند غدائنا وعشائنا. فمسح رسول الله - ﷺ - صدره فتع تعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى» ".
وفي حديث أبي سعيد في غزوة خيبر أنه قال: " «قال رسول الله - ﷺ -: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه. قال: فأرسل إليه، فأتي به، فبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه، ودعا له فبرئ، حتى كأن لم يكن به وجع» ". أخرجه البخاري.
وفي رواية مسلم عن طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: " «فأرسلني رسول الله - ﷺ - إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه، فبرئ» ".
[ ٢ / ٥٠٨ ]
«وأصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها رسول الله - ﷺ - فقال: " يا رسول الله إن لي امرأة أحبها، وأخشى إن رأتني تقذرني، فأخذها رسول الله - ﷺ - بيده، وردها إلى موضعها، وقال: اللهم اكسه جمالا. فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى» ".
وقد وفد على عمر بن عبد العزيز رجل من ذريته، فسأله عمر: من أنت؟ فقال:
أبونا الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أيما رد
عادت كما كانت لأول أمرها فيا حسن ما عين وياحسن ما خد
[ ٢ / ٥٠٩ ]
فوصله عمر، وأحسن جائزته.
فال السهيلي: وفي رواية: " «أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي - ﷺ - فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما، فعادتا تبرقان» ".
قال الدارقطني: هذا حديث غريب، وتفرد به عمار بن نصر عن مالك، وهو ثقة. ويجمع بين الروايتين بأن أحد الرواة ظن أن الساقطة واحدة. وبعضهم - إن صحت الرواية عنه - علم أنها ثنتان. ومن قواعدهم أن زيادة الثقة مقبولة.
[ ٢ / ٥١٠ ]
وأصيب سلمة يوم خيبر بضربة في ساقه، فنفث فيها رسول الله - ﷺ - ثلاث نفثات، فما اشتكاها قط. رواه البخارى.
والأخبار في هذا المعنى أكثر مما ذكرناه.
ومن آياته - ﷺ - عصمته من الناس وكفاية أذاهم، على شدة العداوة، ومع وحدته وقلة عضده وناصره، وكان - ﷺ - يدعو إلى الإيمان بالله وحده. وينادي عليهم في أنديتهم بتسفيه أحلامهم، وسب آلهتهم، ورميها بكل عيب وسوء، فيبالغون - حتى أقرب أقاربه كعمه أبي لهب - في إيذائه والتجري عليه، لكثرتهم ووحدته - ﷺ - وهو مع ذلك محروس بحراسة الله -تعالى- مكلوء بكلاءته، محفوظ بحفظه، متماد على ما هو عليه، غير ملتفت إلى أذاهم، إلى أن مكنه الله من نواصي أعدائه، فأذاق من بقي منهم على كفره الهوان.
فروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: " «قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن»
[ ٢ / ٥١١ ]