ولا كنقلهم لحديث رسول الله -ﷺ-، وأخباره وسيرته وسيرة أصحابه، حيث رووا ذلك كله بالأسانيد الصحيحة الموثوق برجالها، المعروفين بالصدق والأمانة وتمام الثقة، وميزوا الصحيح من المعلول والمجروح من المقبول كما قال أبو العباس الدغولي: " سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إن الله -تعالى- قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات.
وهذه الأمة الشريفة - زادها الله شرفا بنبيها - إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول فالأطول مجالسة لمن فوقه ممن هو أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث الواحد من عشرين وجها فأكثر، حتى هذبوه من الغلط والزلل، وضبطوا حروفه، وعدوه عدا ".
[ ١ / ٢٣٢ ]
فهذا من فضل الله على هذه الأمة، فنستودع الله -تعالى- شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه.
قال أبو حاتم الرازي:
" لم يكن في أمة من الأمم - منذ خلق الله آدم - أئمة يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة فقال له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثا لا أصل له؟ فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم ".
الوجه السادس:
أن الاختلاف والتناقض والإخبار بأشياء على غير ما هي عليه واقع في هذه الكتب، فكان ذلك دليلا على التغيير والتبديل، فإن ما كان من عند الله لا يكون فيه اختلاف ولا تناقض.
ومن أمثلة ذلك ما وقع في " إنجيل متى "، وهو عند النصارى أصح الأناجيل وعمدتها، فإنه بعد أن ذكر فيه أن الذي دل اليهود على عيسى بما بذلوا له من الفضة ندم وطرح الفضة في الهيكل عند اليهود ومضى، وخنق نفسه، وأن اليهود قالوا: هذه الفضة لا تحل لنا، فابتاعوا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء.
[ ١ / ٢٣٣ ]