وما من حال أحد من الأنبياء والملوك والعلماء وأقواله وأفعاله وسيرته إلا والعلم بأحوال محمد - ﷺ - أظهر.
وما من علم يعلم بالتواتر مما هو موجود الآن، كالعلم بالبلاد البعيدة، إلا والعلم بحال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وما هم عليه من الدين، وما ينقلونه عن نبيهم من آياته وشرائع دينه أظهر؛ تحقيقا لقوله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
وظهوره على الدين كله بالعلم والحجة والبيان، إنما هو بما يظهره من آياته، وذلك إنما يتم بما ينقل عن محمد - ﷺ - من آياته التي هي الأدلة، وشرائعه التي هي المدلول المقصود بالأدلة.
فهذا قد أظهره الله علما وحجة وبيانا على كل دين.
كما أظهره قوة ونصرا وتأييدا على كل دين، والحمد لله رب العالمين.
وكل واحد من هذه الأوجه الخمسة التي ذكرناها يفيد العلم بصحة هذه المعجزات، فكيف وهي كلها متظاهرة متضافرة!.
وهذه غير البراهين المستفادة من القرآن، فإن تلك قد تجرد لها طوائف ذكروا من أنواعها وصفاتها كثيرا، حتى بينوا أن ما في القرآن من الآيات يزيد على عشرات الألوف.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وقد أشرنا فيما تقدم إلى مجامع ذلك وأصوله التي يرجع إليها.
وهذان غير ما في كتب أهل الكتاب من الإخبار به مما قدمنا بعضه.
وهذه الثلاثة غير ما في شريعته، وغير صفات أمته، وغير ما يدل على نبوته من المعرفة بسيرته وأخلاقه.
وهذا كله غير نصر الله له، وإكرامه لمن آمن به، وعقوبته لمن كفر به.
فإن تعداد أعيان دلائل النبوة لا يمكن بشرا الإحاطة به، وذلك أنه لما كان الإيمان به واجبا على كل أحد بين الله لكل قوم - بل لكل شخص - ما لا يبين لآخرين.
كما أن دلائل الربوبية أعظم وأكبر من كل مدلول، ولكل قوم بل لكل إنسان من الدلائل التي يريد الله إياها في نفسه وفي الآفاق ما لا يعرف أعيانها قوم آخرون، قال الله - تعالى -: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ .
والضمير عائد على القرآن عند المفسرين.
كما دل عليه قوله - تعالى -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ .
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ثم قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فأخبر - تعالى - أنه سيري الناس في أنفسهم، وفي الآفاق من الآيات العيانية ما يبين لهم أن الآيات المسموعة حق، فيتطابق العقل والسمع، ويتفق العيان والقرآن، وتصدق المعاينة الخبر. قاله شيخ الإسلام أبو العباس.
وإذ عرف ما قررناه تبين بطلان قول النصراني: " إن هذه المعجزات مما لم يكن عليه شهود "، وقامت الحجة، وانقطعت المعذرة.
واعلم أنه لم يبق للمخالف ما يتعلل به سوى العناد المحض والكفر الصراح.
وما أحسن ما قال الإمام أبو عبد الله ابن القيم:
" إنه لا يمكن ألبتة أن يؤمن يهودي بنبوة موسى إن لم يؤمن بنبوة محمد - عليهما الصلاة والسلام - ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا بعد إقراره بنبوة محمد عليهما الصلاة والسلام.
وبيان ذلك أن يقال لهاتين الأمتين: أنتم لم تشاهدوا هذين
[ ٢ / ٥٢٧ ]
الرسولين، ولا شاهدتم آياتهما، وبراهين نبوتهما، فكيف يسع عاقلا أن يكذب نبيا ذا دعوة شائعة وكلمة قائمة وآيات باهرة، ويصدق من ليس مثله ولا قريبا منه في ذلك؛ لأنه لم ير أحد النبيين ولا شاهد معجزاته؟.
فإذا كذب بنبوة أحدهما لزمه التكذيب بنبوتهما، وإن صدق أحدهما لزمه التصديق بنبوتهما.
فمن كفر بنبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه.
قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
وقال - تعالى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ .
فنقول للمغضوب عليه: هل رأيت موسى وعاينت معجزاته؟ فبالضرورة يقول: لا.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
فنقول له: بأي شيء عرفت نبوته وصدقه؟
فله جوابان:
أحدهما: أن يقول: أبي عرفني ذلك، وأخبرني به.
الثاني: أن يقول: التواتر، وشهادات الأمم حقق ذلك عندي، كما حقق خبرهم وشهادتهم وجود البلاد النائية، والبحار، والأنهارالبعيدة، وإن لم أشاهدها.
فإن اختار الجواب الأول، وقال: إن شهادة أبي وإخباره إياي بنبوة موسى كان سبب تصديقي نبوته.
فيقال له: فلم كان أبوك عندك صادقا، وكلامه معصوما عن الكذب وأنت ترى الكفار يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك؟ فإذا كنت ترى الأديان الباطلة، والمذاهب الفاسدة قد أخذها أربابها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك، وأنت تعلم أن الذي هم عليه ضلال؛ فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك خوفا أن تكون هذه حاله.
فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح من الذي أخذه الناس عن آبائهم، كفاه معارضة غيره له بمثل قوله.
فإن قال: أبي أصدق من آبائهم، وأعرف، وأفضل، عارضه سائر الناس في آبائهم بنظير ذلك.
فإن قال: أنا أعرف حال أبي، ولا أعرف حال غيره.
قيل له: فما يؤمنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك، وأفضل وأعرف؟
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وبكل حال فإن كان تقليده لأبيه حجة صحيحة كان تقليد غيره لأبيه كذلك.
وإن كان ذلك باطلا كان تقليده لأبيه باطلا.
فإن رجع عن هذا الجواب، واختار الجواب الثاني، وقال: إنما علمت نبوة موسى بالتواتر قرنا بعد قرن، فإنهم أخبروا بظهوره ومعجزاته وآياته وبراهين نبوته، التي تضطر إلى تصديقه.
فيقال له: لا ينفعك هذا الجواب؛ لأنك قد أبطلت ما شهد به التواتر من نبوة المسيح ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.
فإن قال: تواتر ظهور موسى ومعجزاته وآياته، ولم يتواتر ذلك في المسيح ومحمد.
قيل: هذا هو اللائق ببهت الأمة الغضبية، فإن الأمم جميعهم قد عرفوا أنهم قوم بهت. وإلا فمن المعلوم أن الناقلين لمعجزات المسيح ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - أضعاف أضعافكم بكثير، والمعجزات التي شاهدها أوائلهم لا تنقص عن المعجزات التي أتى بها موسى - ﵇ - وقد نقلها عنهم أهل التواتر جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، وأنت لا تقبل خبر التواتر في ذلك، وترده، فيلزمك ألا تقبله في أمر موسى.
ومن المعلوم بالضروة أن من أثبت شيئا ونفى نظيره فقد تناقض. وإذا اشتهر النبي في عصره، وصحت نبوته في ذلك بالآيات التي ظهرت معه لأهل عصره، ووصل خبره إلى أهل عصر آخر وجب عليهم تصديقه والإيمان به، وموسى والمسيح ومحمد في هذا سواء.
[ ٢ / ٥٣٠ ]