فصل
قال النصراني:
" وإنما تستدل علماؤهم على صحتها - يعني الشريعة - بكثرة الغلبات والفتوحات، وعظم الملك، وهذا مما ليس شيء أقل يقينا منه، فإن مع أن عبادات الوثنيين في غاية الشناعة ترى كم من البلاد فتحت على أيدي الفرس واليونانيين والروم، حتى اتسعت ممالكهم في الأرض ".
الجواب - ومن الله التأييد -:
إن استدلال علمائنا على صحة الشريعة ليس محصورا في هذا الدليل - كما اقتضاه كلامه - فإن طرق الأدلة على صحتها لا تنحصر.
فإن الله - تعالى - جعل لمحمد - ﷺ - الآيات البينات قبل مبعثه، وفي حياته وموته، إلى هذه الساعة، وإلى قيام الساعة.
فإن ذكره، وذكر البشارة به موجود في الكتب المتقدمة، كما قدمنا بعض ذلك.
ولما ولد اقترن بمولده من الآيات ما هو معروف في كتب الأخبار والسير، كارتجاس إيوان كسرى، وسقوط شرافات منه وانصداعه.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وما اقترن به من رؤيا الموبذان، التي أولها سطيح الكاهن بخمود نار فارس التي يعبدونها، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة، وغيض بحيرة ساوة.
وحفظ السماء بالشهب رجوما للشياطين المسترقة للسمع، وجرى ذلك العام قصة أصحاب الفيل.
وكل ذلك إرهاص بين مبعث محمد - ﷺ - إلى ما كان يحصل في مدة نشأته من الآيات والدلائل مثل ما حصل لمرضعته لما كان عندها، ومثل ما شوهد منه في صغره من شق
[ ٢ / ٥٩٨ ]
صدره، وتظليل الغمامة له، ومعرفه جماعة له بعلاماته، كما في قصة بحيرى الراهب.
وأما ما في أيام نبوته فظاهر، كما تقدم ذكر بعضه. وأما بعد موته فمثل نصر أتباعه، وإهلاك أعدائه، وإعلاء ذكره، ونشر لسان الصدق له، وإظهار دينه على كل دين باليد واللسان، والدليل والبرهان. وهذا مما يطول وصف تفصيله.
وهكذا آيات غيره من الأنبياء متنوعة قبل المبعث، وحين المبعث، وبعد موتهم، لكن آيات نبينا - ﷺ - أكثر، وبراهين نبوته أظهر، ثم إن غير الفتوحات من آياته أبلغ في الدلالة وأبهر في المعجزة، وأكبر في البرهان من التمكين في الأرض ووراثتها من
[ ٢ / ٥٩٩ ]