الثاني: أنه -ﷺ- أنذر بانتقال الأمر من قريش الذين هم السادة العرب وقادتها إذا وقع منهم الخلل في إقامة الدين، كما أخرج البخاري في صحيحه، وغيره عن معاوية بن أبي سفيان -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه في النار ما أقاموا الدين» .
وهذا يدل على أنهم إذا لم يقيموا الدين يخرج الأمر عنهم.
وأخرج الطبراني عن علي -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «ألا إن الأمراء من قريش ما أقاموا ثلاثا» الحديث.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وأخرج الطيالسي والبزار والبخاري في التاريخ من طريق سعد بن إبراهيم عن أنس بلفظ: «ما إذا حكموا فعدلوا»
الحديث، وله طرق متعددة.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي من حديث عبد الله بن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال:
[ ١ / ٢٠١ ]
«يا معشر قريش، إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب» .
قال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات".
وأخرج الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء بن يسار يرفعه إلى النبي -ﷺ- أنه قال لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه، فتلحون كما تلحى هذه الجريدة» .
فقد دلت هذه الأحاديث وما ورد في معناها من منطوق أو مفهوم على خروج الأمر عن قريش الذين هم أئمة العرب والعرب لهم تبع، وأن ذلك إنما يكون إذا وقع منهم التغيير، ولم يستقيموا على السنن القويم، وأنه يتقدم ذلك ما هددوا به من تسليط من يؤذيهم عليهم.
[ ١ / ٢٠٢ ]
قال ابن حجر: "فوجد ذلك في الدولة العباسية، بغلبة مواليهم بحيث صاروا معهم كالصبي المحجور عليه، يتمتع بلذاته، ويباشر الأمور غيره.
ثم اشتد الخطب، فغلب عليهم الديلم، فضايقوهم في كل شيء حتى لم يبق للخليفة إلا الخطبة، واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الأقاليم، ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزع الأمر منهم في جميع الأقطار، ولم يبق للخليفة إلا مجرد الاسم في بعض الأمصار". انتهى.
وهذا، لأن الذي نالته العرب من العز والظهور والغلبة إنما حصل لهم ببركة اتباع الرسول -ﷺ-، وطاعتهم له كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقال النبي -ﷺ- فيما صح عنه:
«إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» .
فلما كانت الخلفاء على الاستقامة والسداد في أمر الدين كان لهم في الأرض غاية التمكين تصديقا لما أخبر به الصادق الأمين.
فلما غيروا بمخالفته بعض أمر النبي -ﷺ- وقع بهم ما هددوا به، حيث كانت نعم الله عليهم أعظم منها على غيرهم، وكان الواجب عليهم من شكرها بحسب ما خصوا به منها.
فكان في أول الأمر وآخره براهين ساطعة وأدلة قاطعة على أن محمدا رسول الله -ﷺ - من جهة وقوع ما أخبر به مطابقا لخبره، ومن جهة اقتران العز والظهور والسعادة باتباع سنته، واقتران الذل والخذلان بترك أمره ومخالفته، فقد تضافرت حجج الله وبيناته على صدق هذا الرسول الكريم في كل عصر على ممر الدهور والأزمان.
ثم إن الفتوحات التي حصلت على أيدي غير العرب من الأمم الذين دخلوا في الإسلام، وانتموا إلى الملة وقاموا بجهاد الأعداء المضادين لها هي من آثار الوعد الصادق من التمكين لهذه الأمة
[ ١ / ٢٠٤ ]
الإسلامية في الأرض، وظهور دينهم على غيره من الأديان، وانتصارهم على عبدة الأوثان والصلبان، فليس في خروج الأمر عن العرب في بعض الأزمان وبعض الأقطار إلى غيرهم من هذه الأمة ما يقتضي نقصا في الدين ووهنا في الملة، فإن كل خير حصل لهذه الأمة من العرب وغير العرب، فهو من بركة اتباع النبي -ﷺ- والانتماء إلى ملته.
[ ١ / ٢٠٥ ]