قال الله -تعالى-: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
ففي مطلع هذه السورة الكريمة من إقامة البرهان على وحدانية الله -تعالى- ونفي الولد عنه، وعلى بطلان ربوبية المسيح، وعلى تحقيق نبوة محمد -ﷺ- ما هو من الحجج القواطع لشبه المبطلين والأدلة المنادية بجهالة المجادلين، وذلك أن أولئك النصارى الذين جادلوا رسول الله -ﷺ- كأنه قيل لهم: إما أن تجادلوه في معرفة الإله أو في النبوة:
[ ١ / ٣٧٨ ]
فإن كان النزاع في معرفة الإله، وتقولون: إن المسيح ابن الله، وتقولون: إنه الله، وتقولون: إن الله ثالث فالحق معه بالدلائل القطعية، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم، والحي القيوم يستحيل نسبة الولد والشريك إليه، لأن ذلك يقدح في حياته وقيوميته.
وإن كان النزاع في النبوة فهذا -أيضا- باطل، لأن الطريق الذي عرفتم به أن الله أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى هو بعينه قائم في محمد -ﷺ-.
وما ذاك إلا ما اقترن به من الدلائل والمعجزات، وهو حاصل هاهنا، فكيف يمكن منازعته في صحة نبوته؟!
والحاصل أن هذه الآيات الكريمات تضمنت إقامة الحجة في أصلين:
الأول: في الإلهيات.
والثاني: في النبوات.
وتقرير الأول: أنه حي قيوم، وما كان حيا قيوما يمتنع أن يكون له ولد أو مشارك، لأن الحي القيوم هو واجب الوجود لذاته، وحياته وقيوميته لا ابتداء لها ولا انتهاء، فهو الأول فلا شيء قبله، والآخر فلا شيء بعده.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وأما ما عداه فإنه ممكن الوجود لذاته، حدث بتخليق الحي القيوم وإيجاده وتكوينه، وما كان محدثا مخلوقا لا يكون إلها.
وأيضا فنسبة الولد إليه تنافي كمال حياته وقيوميته، وذلك لأن الولد جزء الوالد، وفرع عنه، والولد حادث بعد أن لم يكن، لأنه -بالضرورة- لا بد أن يكون مسبوقا بالأب، فيلزم من ذلك حدوث الأب -أيضا- بالضرورة، للارتباط الذي بين الأب والابن من المشابهة، وهذا هو التعطيل الصرف، فثبت أن دعوى الولد لله تنافي ربوبيته للعالمين.
وأيضا لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حيا قيوما، وثبت أن عيسى لم يكن حيا قيوما، لأنه ولد، وكان يأكل، ويشرب، ويحدث، والنصارى زعموا أنه قتل وصلب، وما قدر على الدفع عن نفسه، فثبت أنه ما كان حيا قيوما، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها.
فهذه الكلمة، وهي قوله -تعالى-: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث.
وأما الأصل الثاني: وهو إثبات النبوة، فقد ذكر الله -تعالى- تقريره هاهنا في غاية الحسن ونهاية الجودة، وذلك أنه قال: ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، وهذا يجري مجرى الدعوى، ثم إنه -تعالى- أتبع ذلك بأدلة تدل على صحتها.
[ ١ / ٣٨٠ ]
الدليل الأول:
ما دل عليه قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وقد قال المفسرون فيه أقوالا، كلها مطابقة لوصف القرآن دالة على المقصود.
فقيل: وصفه بقوله بالحق، لأنه يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال، ويمنعه عن سلوك طريق الباطل.
وقيل: لأنه قول فصل، وليس بالهزل.
وقيل: لأنه -تعالى- أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية وشكر النعمة وإظهار الخضوع، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات، ولأنه أنزله يصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض. كما قال -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .
وهذا كله من صفات القرآن فدل على أنه من عند الله.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، والمعنى أنه مصدق لكتب
[ ١ / ٣٨١ ]
الأنبياء -﵈- فيما أخبروا به عن الله -تعالى-، فدل على أنه من عند الله من وجهين:
الأول الذي جاء به رجل أمي لم يقرأ شيئا من الكتب، ولا أخذ عن أحد من العلماء، ومع ذلك جاءت أخباره مطابقة لأخبار الأنبياء فيما تضمنه من القصص، ومن الخبر عن الله، وهذا برهان قاطع على أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله -تعالى-.
الوجه الثاني:
أن الله -تعالى- لم يبعث نبيا قط إلا بدعوة إلى توحيده، والإيمان به، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان.
والقرآن جاء بهذه المطالب على أكمل الوجوه وأحسنها، فهو مصدق لتلك الكتب في كل ذلك، فدل على أنه من عند الله.
الدليل الثالث:
قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ وتقرير الدلالة أن يقال: وافقتمونا - أيها اليهود والنصارى - على أنه -تعالى- أنزل التوراة والإنجيل كتابين إلهيين، وأنه -تعالى- قرن بإنزالهما المعجزة والدلالات الدالة على الفرق بينهما وبين أقوال الكاذبين، فإنه لولا المعجزة لما حصل الفرق بين قول المحق وقول المبطل.
[ ١ / ٣٨٢ ]