فصل
قال النصراني:
" ثم إن ما يجعلونه علة للقتال من الاختلاف في الدين فينقضه فعلهم، حيث يتركون من ينخضع لهم، ويتدين بأي دين أراد.
وقولهم - أيضا -: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
مراده بتركهم من يخضع لهم إقرار أهل الكتاب ونحوهم بالجزية.
وهذا ليس على العموم في أهل كل دين، فإطلاقه باطل، فإنها لما نزلت آية الجزية، وهي قول الله - تعالى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
أخذها النبي - ﷺ - من ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم يأخذها من عباد الأصنام.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
فاختلف العلماء ههنا، فقيل: لا يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء ومن دان بدينهم، اقتداء بأخذه وتركه. وقيل: بل تؤخذ - أيضا - من عبدة الأصنام من العجم دون العرب.
والأول قول الشافعي وأحمد في رواية عنه.
والثاني قول أبي حنيفة وأحمد في روايته الأخرى.
وعلى القول الأول فإنما أخذها النبي - ﷺ - من المجوس، لأن لهم شبهة كتاب، لما ورد في بعض الأحاديث أنه كان لهم كتاب ثم رفع.
وجاء عنه - ﷺ - أنه قال في المجوس: " «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ".
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وليس المراد بسط هذه المسألة، وإنما المقصود أن أخذ الجزية ممن بذلها للمسلمين ليس على العموم في حق كل كافر.
وإذا عرف هذا فليس في إقرار من يقر بالجزية من الكفار ما يكون قدحا في حكمة الشريعة وكمالها، فإن أحكام الشريعة جاءت في كل باب على وفق الحكمة والمصلحة، والذي شرعها هو الرب - ﷾ - وهو أحكم الحاكمين.
وقد قامت الأدلة القاطعة على نبوة محمد - ﷺ - وأن القرآن كلام الله - تعالى - ورسالته إلى خلقه، وشرعه هو ما تضمنه كتابه وحكمة رسوله، والحكم والغايات في أحكامه لا يحيط بها إلا هو، فما علمناه منها قلنا به، وما جهلناه وكلناه إلى عالمه.
وقد ذكر العلماء من الحكمة في إقرارهم بالجزية وجوها:
فمنها: أنهم أقروا بذلك، ولم يعاملوا معاملة غيرهم من الكفار لحرمة الكتاب الذي ينتمون إليه.
ومنها: أن ذلك لحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.
ومنها: أن إقرارهم بذلك لأنهم أهل الكتاب وبأيديهم التوراة والإنجيل، وفيها صفة محمد - ﷺ - فربما يتفكرون ويعلمون صدق محمد - ﷺ - فيتبعون الحق، فأمهلوا لهذا المعنى.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
ومنها: أن إبقاءهم كذلك من الشواهد والدلائل على نبوة محمد - ﷺ - لأن في الكتب التي بأيديهم ما يدل على أنهم بدلوا، وفيها ما يدل على أن شريعتهم ستنسخ بغيرها، كما قدمنا الإشاره إلى بعض ذلك.
وفيها من صفة محمد - ﷺ - وأدلة نبوته ما قدمنا بعضه. وفيها من التناقض والاختلاف ما يبين - أيضا - وقوع التبديل.
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
" وعند أهل الكتاب ما يدل على هذه المطالب، وقد ناظرنا غير واحد منهم، وبينا لهم ذلك، وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم، ويتبينون ما عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد ﷺ.
قال: وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، إذ عندهم من الشواهد والدلائل على نبوته، وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يبين أن محمدا - ﷺ - جاء بالدين الذي بعث الله به الرسل قبله، وأخبر من توحيد الله ومن صفاته بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله.
قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ . انتهى.
وأما قول النصراني: " وقولهم - يعني المسلمين -: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا " فهو كلام باطل، وكذب صريح، فإن المسلمين متفقون على مقالة واحدة لا اختلاف بينهم، أن من بلغته رسالة محمد - ﷺ - فلا خلاص له ولا نجاة إلا باتباعه والإيمان به، سواء في ذلك اليهود والنصارى وعباد الأصنام وغيرهم من طوائف بني آدم.
وقد علم من دينه بالضرورة أنه دعا الناس كافة إلى اتباعه، وأنه جاهد أهل الكتاب، كما جاهد المشركين، فجرى له مع يهود المدينة وغيرهم ما هو معلوم.
وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وسراياه، وضرب الجزية على نصارى نجران.
وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده جاهدوا أهل الكتاب يهودهم ونصاراهم، وقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون.
وهذا الكتاب الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى اتباعه، ويكفر من لم يتبعه منهم، ويذمه، ويلعنه.
[ ٢ / ٦٣١ ]