فصل
قال النصراني:
" لا سيما حيث إن أكثر حروب الملوك بغير عدل، إذ يقاتلون أمما من غير الظالمين لهم، وليس لهم ما يتعللون به على محاربتهم سوى الاختلاف في الدين، وهذا ما هو إلا غاية عدم الدين، إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس.
وأما الإرادة فهي تنقاد بالتعليم والإقناع، لا بالتهديد والقهر.
ومن اضطر لتصديق الدعوى من غير إرادة منه، فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها هربا من الشدائد.
ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب له، فهو بفعله هذا يدل على عدم ما يستدل به على صحة دعواه ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
أما حروب ملوك المسلمين بعضهم لبعض في طلب الملك فليس مما نحن فيه، إذ هو من قتال الفتنة الذي نهى عنه النبي - ﷺ - وحذر منه، وهو قتال على الدنيا.
وأما القتال الشرعي فهو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه.
[ ٢ / ٦١٩ ]
ولا ريب عند الموافق والمخالف، أن محمدا - ﷺ - جاء بشرع الجهاد، وتضمن الأمر به القرآن الذي أنزل عليه. وإنما شرع في المدينة بعد الهجرة إلى المدينة حين اجتمع بها المهاجرون والأنصار.
وعند ذلك علم أعداؤه من العرب واليهود أنها كانت لهم دار منعة، فخافوا منهم ما كانوا يحذرون، فرموهم عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، وكان الله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح.
ثم إنه - تعالى - بحكمته أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال - تعالى -: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ .
ثم فرض عليهم القتال لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال - تعالى -: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ .
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، فقال - تعالى -: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
فكان محرما، ثم مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين.
وإذ كان القتال عن أمر الله وشرعه، كان القيام به من أكبر
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الفضائل، وأعظم الوسائل، لما فيه من بذل النفوس والأموال في مرضاة الله وما كان عن أمر الله فهو على وفق الحكمة والعدل، لأنه صدر عن أمر الحكيم الخبير، وقد قامت البراهين واتضحت الدلائل، وظهرت المعجزات على أن محمدا رسول الله، فبطل أن يكون قتال المسلمين لمن خالف الملة قتالا بغير عدل.
وقد ذكرنا فيما تقدم إشارة إلى بعض ما في شرع الجهاد من الحكم والغايات المحمودة.
وأما قتال المسلمين أمما من غير الظالمين لهم، وأن السبب إنما هو الاختلاف في الدين، فهذا أوضح حجة على أنه على مقتضى العدل، لأنهم إنما يقاتلون المشركين بالله الكافرين به وبرسله، كما كان النبي - ﷺ - إذا بعث سرية، قال: «اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله» . فأعظم الظلم وأكبر الذنوب الشرك بالله والكفر به.
فشرع الله الجهاد ليكون الدين كله له كما قال تعالى:
[ ٢ / ٦٢١ ]
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .
وإذا كان قتالك من ظلمك واعتدى عليك، حتى يكف عن ظلمه واعتدائه لا يكون ظلما ولا قبيحا، فكيف يكون قتال الكافر بالله، المكذب لرسوله وكتابه، الآتي بأعظم الظلم وأكبر الذنب، يقال فيه: إنه بغير عدل؟ ! ما هذا إلا جهل عظيم، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون.
وقوله: " إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس " إلى قوله: " فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها، هربا من الشدائد ".
جوابه:
أن هذا وإن وجد في آحاد من الناس فليس على العموم، فلا تنتقض به الحكمة في مشروعية الجهاد، فإنه قد دخل في الإسلام فئام من الناس بالقتال، وافتتحت ديارهم بالسيف، فدخلوا وكثير منهم كارهون، فلما خالطوا المسلمين، وسمعوا القرآن، وبلغتهم معجزات النبوة وآيات الرسالة صلحت عقائدهم، وانفتحت بصائرهم، وعلموا أنه الحق، ودانوا به باطنا وظاهرا، وعلموا أبناءهم ونساءهم، وبذلوا يه نفوسهم وأموالهم.
هذا ما لا يرتاب فيه ذو عقل صحيح.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وهل يستجيز من له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن من دخل في الإسلام بعد قيام الجهاد من العرب وغيرهم من أصناف الأمم أنهم إنما يصدقون بالإسلام ظاهرا فقط؟
هذا مما يعلم فساده ببديهة العقل فإن الله قد خص هذه الأمة بما وهبها من الإيمان بالله ورسوله، وتمام الانقياد لما جاء به الرسول، منشرحة بذلك صدورهم، مصدقة به قلوبهم، ما لم يعط غيرهم من الأمم، وذلك لما أيد به نبيهم - ﷺ - من المعجزات، وأنواع الأدلة والآيات، ولهذا كان أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة، وكان أمته خير الأمم، وأكثر أهل الجنة، وأول الناس سبقا إلى الجنة كما قال - ﷺ -: " «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ".
ولا ينتقض ما ذكرناه بالمنافقين والزنادقة، فإنهم مقهورون مغمورون في المؤمنين، بل في وجودهم بين المؤمنين مع كونهم أعداء لهم في صورة أولياء، واجتهادهم في الإضرار بدينهم ودنياهم وسعيهم في ذلك بكل ما أمكنهم، ثم لم يظفروا بمطلوبهم، ولم يحصلوا على مرادهم دليل على صحة الشريعة وأنها من عند الله ﷿.
والمقصود أن الله نصب الأدلة والبراهين على صدق رسوله وصحة
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ما جاء من النبوة والكتاب، وشرع الجهاد وسيلة إلى إبلاغ الحجة وإيصال الدليل إلى المكلفين، فإن من كان على دين وجد عليه آباءه وأسلافه، وأشربه قلبه، وألفته نفسه لا يختار دينا غيره، ولا يلتفت إلى سواه، فلا يصغي إلى حجج الحق وبراهينه.
فكان من رحمة الله بعباده أن أمر رسوله - ﷺ - بالجهاد، لتبلغ الحجة مبلغها، فينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين.
وأما قول النصراني: " ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب أو التخويف إلى آخره " فهو كلام ساقط، فإن الأنبياء - ﵈ - جاؤوا بالرسالة إلى الأمم مقرونة بالتخويف بالعذاب للمكذبين والإنذار للمخالفين، كما جاءت بالبشارة للمؤمنين والرجاء للمصدقين، ومنهم من جاء بالقتال.
وبنو إسرائيل لما امتنعوا من التزام أحكام التوراة - لثقلها عليهم - رفع الله جبلا فوق رؤوسهم، وقيل لهم: التزموا وإلا وقع عليكم الجبل.
كما قال - تعالى -: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وقال - تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ .
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وأيضا فالشرائع جاءت بالحدود وإيقاع العقوبة بالعصاة، ليرتدعوا عن المعاصي والمخالفات، وكل هذا إلزام بالأحكام بوساطة التعذيب أو التخويف، أفكان ذلك دليلا على عدم البرهان فيما دعا إليه الأنبياء ﵈؟ ! وإذا لم يكن كذلك بطل هذا التمويه.
[ ٢ / ٦٢٥ ]