ظهورهم وكرامتهم، ابتلاهم بذلك في بعض الأوقات، لتتم المصلحة، وتنفذ الحكمة، فيعود المكروه محبوبا.
وقد أشار - سبحانه - في سورة آل عمران في سياق قصة أحد إلى أصول المصالح، والحكم في ذلك.
منها: تمييز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من الكاذب، فاقتضت حكمة الرب - تعالى - أن يبتليهم بذلك ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق الذي جاءوا به، ممن لا يتبعهم إلا على الظهور والغلبة خاصة، ولم يجعل الغلبة على المؤمنين دائما، لأن ذلك يمنع حصول مقصود البعثة، فاقتضت حكمته - تعالى - أن يجمع لهم بين الأمرين، لتتم المصلحة، ثم يجعل العاقبة لهم.
ومنها: تعريفهم عاقبة المعصية، فإنه - تعالى - أخبر أن ما يصيبهم فهو بسبب ذنوبهم، فيكون ذلك تنبيها على شؤم عاقبة الذنب، ليحتروزا منه.
ومنها: أنه لو نصرهم دائما وأظفرهم بعدوهم في كل موطن،
[ ٢ / ٦١٢ ]
وجعل لهم التمكن والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم، وشمخت أنوفهم، كما يكونون لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر عباده، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها: أنه - سبحانه - هيأ لعباده منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه.
ومنها: أن الشهادة عند الله من أعلى المراتب، والشهداء هم خواصه المقربون من عباده، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتسلط العدو.
إلى غير ذلك من الحكم، والمصالح التي تفوت الوصف.
فإذا كان في إدالة العدو على المؤمنين في بعض المراتب ما فيه من المصالح والغايات المحمودة، كان إلى الدلالة على صحة الشريعة أقرب منه إلى العكس، ولم يكن ناقضا للاستدلال؛ إذ هذا يكون لأمر عارض، ومقتض طارئ، ثم تكون العاقبة والنصر للمؤمنين.
بل قد قدمنا أن مثل هذه الأدلة من أعلام الرسل.
ومما يزيد ذلك بيانا ما أشرنا إليه من أن ظهور الكفار على المؤمنين - أحيانا - هو سبب ذنوب المسلمين كيوم أحد.
فإذا تابوا انتصروا، كما قد جرى للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار.
[ ٢ / ٦١٣ ]
فهذا من آيات النبوة؛ فإن النبي إذا قاموا بوصاياه نصروا، وإذا ضيعوها ظهر أولئك عليهم.
فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن المدار عليه.
ومن المعلوم بالاستقراء والتتبع أن نصر الله سببه اتباع النبي - ﷺ - فهو يدل على أن الله - سبحانه - يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه. فهذا يوجب العلم بنبوته.
ومن هذ ظهور بخت نصر، إنما كان لما غيرت بنو إسرائيل عهود موسى - ﵇ - فإذا اتبعوها كانوا منصورين، كما كان في زمن داود وسليمان وغيرهما.
قال الله - تعالى -: " ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ .
[ ٢ / ٦١٤ ]
فكان ظهور بني إسرائيل تارة وظهور عدوهم تارة من دلائل نبوة موسى ﷺ.
وقد قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ فأخبر - تعالى - أن سنته التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص بالمعاصي كان الأمر بحسبه، كيوم أحد. فهذه عادته المعلومة.
والكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها، ولا بد من بقاء لسان السوء له في العالم، وهو وإن ظهر سريعا فإنه يزول سريعا.
وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا؛ ليمحصوا بالبلاء، فإن الله - تعالى - إنما يمكن العبد إذا ابتلاه، ويظهر أمرهم شيئا فشيئا كالزرع.
قال الله - تعالى -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ الآية.
[ ٢ / ٦١٥ ]
ولهذا كان أول من يتبعهم ضعفاء الناس، أشار إليه بعض الأئمة.
فاعتبار هذه الأمور، وسنة الله في أوليائه وأعدائه مما يوجب الفرق بين النوعين وبين دلائل هذا ودلائل هذا.
وأما قول النصراني: " إنهم - يعني المسلمين - طردوا عن بلاد الأندلس وغيرها من البلاد " فهذا من قبيل ما تقدم مما يبتلي الله - تعالى - به عباده، وهو مما جاءت به الأنذار عن النبي - ﷺ - فإنه أخبر بإدالة العدو على المسلمين، حتى يأخذوا بعض ما في أيديهم إذا أضاعوا أمر الله، وفرطوا فيما أوجبه عليهم من طاعة نبيهم - ﷺ - فهو من أدلة الرسالة من وجهين:
من جهة إخباره بذلك، فوقع كما أخبر. ومن جهة الاعتبار في ترتب ذلك على معصية الرسول ﷺ.
ثم إنه وإن أخذت من أيدي المسلمين بعض البلاد التي كانت في أيديهم فقد غلبوا على بلاد كثيرة بعد غلبهم على ما غلبوا عليه، فإنه قد حصل للمسلمين الغلبة في بلاد الروم وما والاها بعد خروج الأندلس عن أيديهم بما أكبر بكثير مما غلبوا عليه.
ولا تزال طائفة من هذه الأمة المحمدية على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة.
[ ٢ / ٦١٦ ]
فظهر بما قررناه الفرق بين الفتوحات الإسلامية وصحة الاستدلال بها على صحة الشريعة، وبين محاربات الملوك المبطلين.
وتبين أن الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح من بعض الوجوه مع ظهور الفروق الصورية والمعنوية من وجوه أخرى غير قادح في صحة الدليل.
كما أن دخول كثير من الناس في الأديان الباطلة بمجرد الدعوة إليها وإلقاء الشبهات غير مقتض صحة ذلك الباطل، ولا قادح في صحة حجج الأنبياء وأتباعهم، حيث استجاب لهم كثير من الناس بمجرد الدعوة. فهذا اشتراك في صورة الاستجابة بالدعوة.
ولما لم يكن هذا الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح قادحا في صحة دين الحق ولا مضعفا حجة أهله، فكذلك ما نحن فيه.
[ ٢ / ٦١٧ ]