التثليث بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أتبع ذلك بإبطال شبههم.
فالشبهة الأولى - تتعلق بالعلم:
وهو أن المسيح -﵇- كان يخبر بالغيوب، قالوا: فوجب أن يكون إلها، فأجاب الله -تعالى- عنه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ .
وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالما ببعض المغيبات أن يكون إلها، لأن ذلك إنما كان بوحي من الله إليه وإطلاعه على ذلك دلالة على نبوته، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات دليل قاطع على أنه ليس بإله، لأن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فإن الإله هو الذي يكون خالقا، والخالق لا بد أن يكون عالما بمخلوقه، وما ذاك إلا الله وحده، كما قال -تعالى-: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .
ومن المعلوم -بالضرورة- أن عيسى ما كان عالما بجميع المعلومات والمغيبات، كيف والنصارى يزعمون أنه أظهر الجزع من الموت، فلو كان عالما بالغيب كله لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله، وأنه يتأذى بذلك، ويتألم، وكان يفر منهم قبل وصولهم، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ما كان عالما بجميع المعلومات والمغيبات.
[ ١ / ٣٨٤ ]
والإله هو الذي لا يخفى عليه شيء من المعلومات، فوجب القطع بأن عيسى ما كان إلها.
الشبهة الثانية:
قالوا: لما ثبت أنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا وجب أن يكون إلها.
فأجاب الله -تعالى- عنها بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ والمعنى أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قول عيسى في بعض الأحوال لا يدل على كونه إلها، لأنا نقول إن ذلك وقع بإذن الله -تعالى- معجزة دالة على نبوته، لكن عجزه عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم إلهيته.
وذلك أن الإله هو الذي يكون قادرا على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى -﵇- ما كان قادرا على خلق الإحياء والإماتة على هذا الوجه.
كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين زعم النصارى أنهم أخذوه، وقتلوه، فظهر أن حصول الإحياء والإماتة في بعض الصور على وفق قوله لا يدل على كونه إلها
[ ١ / ٣٨٥ ]
وأيضا فعيسى -﵇- صور في الأرحام، وتقلب فيها كسنة الله في غيره من ذرية آدم، فعلم أنه معلوم كسائر الخليقة، فبطل أن يكون إلها.
الشبهة الثالثة:
أن النصارى يقولون إنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابنا لله -تعالى عن قولهم علوا كبيرا-.
فأجاب الله -تعالى- عنها أيضا بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ لأن هذا التصوير لما كان من الله -تعالى-: فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب. كيف وقد خلق -تعالى- آدم من تراب من غير أب ولا أم، فلما كان مقتدرا على ما شاء من التصوير بطل ما تعلقوا به في ذلك.
الشبهة الرابعة:
أنه ورد في بعض الروايات أن أولئك النصارى قالوا للرسول -ﷺ-: ألست تقول: إن عيسى كلمة الله وروحه؟، فهذا يدل على أنه ابن الله، وفي بعض الروايات: أنهم احتجوا على التثليث بقول الله -تعالى-: قضينا، وأمرنا ونحوه. فأجاب الله
[ ١ / ٣٨٦ ]
-تعالى- بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
والمعنى -كما قال محمد بن إسحاق - ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ لهن تصريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام أن لا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق.
يقول الله -﷿-: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ميل عن الحق إلى الهوى ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: ما تصرف ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا ليكون لهم حجة ولهم على ما قالوا شبهة ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: اللبس ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ على ما ركبوا من الضلالة في قوله: خلقن وقضينا. يقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد؟ !.
ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمات التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق
[ ١ / ٣٨٧ ]
بعضه بعضا، فنفذت به الحجة، وظهر به العذر، وانزاح به الباطل، ودمغ به الكفر، يقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
وهذا الكلام من ابن إسحاق من أحسن ما قيل في الآية وأبينه.
وحاصل الجواب عن الشبهة أن النصارى تعلقوا بظاهر لفظ من القرآن يحتمل عدة معان من الحقيقة والمجاز، فهو من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم الذي لا يحتمل غير معناه الظاهر لكل أحد، فتعلقوا بقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، وغفلوا عن قوله في عيسى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ .
فأخبر الله -تعالى- أن ذلك لما في قلوبهم من الزيغ.
وهكذا من شابههم من هذه الأمة، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة عن النبي -ﷺ- في هذه
[ ١ / ٣٨٨ ]
الآية قال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» . هذا لفظ البخاري.
وقد كان الذين أنكروا الحلول والاتحاد من النصارى الذين يصدقون بلفظ الآب والابن وروح القدس، وأن تلك العبارة مأخوذة عن إنجيل المسيح يقولون -مع ذلك-: إن المسيح عبد مرسل كسائر الرسل، فوافقوهم على اللفظ، ولم يفسروا ذلك بما يقوله منازعوهم من الحلول والاتحاد.
كما أن النسطورية يوافقونهم -أيضا- على هذا اللفظ، وينازعونهم في الاتحاد الذي يقوله اليعقوبية والملكية.
فلما كانوا متفقين على اللفظ، متنازعين في معناه علم أنهم صدقوا باللفظ أولا لأجل اعتقادهم مجيء الشرع، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسيره، كما يختلفون هم وسائر أهل الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنه منقول عن الأنبياء -﵈-.
وكل ما صح عنهم أنهم قالوه فهو حق، لأنهم لا يقولون إلا الحق، ولا بد له -إذا كان صحيحا عنهم- من معنى صحيح يوافق اللفظ المحكم الذي لا يحتمل غير معناه الظاهر لكل أحد.
فظهر بما قرر من قوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإله، ولا ابن للإله، وأن قوله: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ .
[ ١ / ٣٨٩ ]
جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر، فيجب أن يكون ابنا لله، وأن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الآية جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن من الألفاظ المحتملة لعدة من المعاني.
ومن تأمل ما ذكرناه علم أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت عليه هذه الآيات، فالحمد لله الذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه، وما أودعه من حججه، وبيناته عن شقائق المتكلمين، وهذيانات المنهوكين، فلقد عظمت نعمة الله على عبد أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
ثم ذكر -تعالى- أنواعا من الحجج، وشرح قصة مريم وعيسى -
[ ١ / ٣٩٠ ]
﵉ - شرحا جليا متضمنا لأنواع من الأدلة على بطلان قول النصارى بما لا يتسع هذا المختصر لشرحه إلى أن قال -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وفي هذه الآية إبطال شبهة النصارى في قولهم: لما لم يكن له أب من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله -تعالى -.
فبين -تعالى- أنه خلق آدم من تراب، ولم يكن له أب ولا أم، ولم يلزم من ذلك أن يكون ابنا لله، فكذا القول في عيسى.
وأيضا فلما جاز أن يخلق الله آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم المرأة أقرب من تولده من التراب اليابس.
ولكن الرب - ﷻ - أراد أن يظهر قدرته لخلقه في تنويع التخليق، فيعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما.
وبعد أن بين -تعالى- أنواع الأدلة القاطعة في صدر السورة، وأجاب عن شبه النصارى على أكمل الوجوه وأحسنها، وكان من أنصف وطلب الحق علم أن البيان قد بلغ الغاية القصوى لا جرم، قال -تعالى- بعد ذلك -: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ .
[ ١ / ٣٩١ ]
يعني فبعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الجواب معهم وعاملهم بها بما يعامل به المعاند، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة، وقد فعل رسول الله -ﷺ-، ودعاهم إليها، فنكصوا، ورجعوا إلى الصلح، وأقروا بالصغار، وبذلوا الجزية، كما تقدم في القصة. فكان ذلك دليلا على نبوة محمد -ﷺ - من وجهين:
أحدهما:
أنه -﵊- خوفهم بنزول العذاب. فلو لم يكن واثقا بذلك لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه، لأنه بتقدير أن يرغبوا في المباهلة، ثم لا ينزل العذاب يكون ذلك تكذيبا له.
ومعلوم أنه كان -ﷺ- من أعقل الناس، بل هو أعقلهم على الإطلاق، ولا يليق بالعاقل أن يعمل عملا يفضي إلى ظهور كذبه، فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم لو فعلوا.
الثاني:
أن القوم تركوا المباهلة، وأعطوا الصغار من أنفسهم. فلولا أنهم علموا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته لما أحجموا عن مباهلته ورضوا لأنفسهم بالذل والصغار، بل قد تقدم في القصة ما يدل صريحا على معرفتهم به، وأنه النبي المبشر به في كتب الأنبياء.
[ ١ / ٣٩٢ ]