فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما يسرق لهم أو بحال غائب لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور.
وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله - ﷺ - وموافقته لأمره ونهيه.
وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور.
وهذه الأمور وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين، وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، فتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان فيه شيء من هذه الأمور يكون وليا لله.
بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والإقرار بحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة.
ومثال ذلك أن هذه الأمور المذكوره وأمثالها قد توجد في أشخاص، ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات والمزابل التي هي مأوى الشياطين، ولا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف.
وقد قال النبي - ﷺ -: " «لا تدخل الملائكه بيتا فيه كلب ولا جنب» ".
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وقال عن الأخلية: " «إن هذه الحشوش محتضرة» " أي: يحضرها الشياطين.
وقال: " «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» ".
وقال: " «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» ".
وقال: " «إن الله نظيف يحب النظافة» ".
وقال الله - تعالى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية.
فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي تحبها الشياطين، يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين.
أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي تحبها الشياطين.
أو يدعو غير الله، فيستغيث بالمخلوقات، ويتوجه إليها.
أو يسجد إلى ناحية قبر الشيخ، ولا يخلص الدين لرب العالمين.
أو يلابس الكلاب، أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة.
أو يأوي إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين.
أو يكره سماع القرآن، وينفر عنه، ويقدم على سماع الأغاني، والأشعار، فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن.
قال ابن مسعود: " ولا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ".
وقال عثمان بن عفان: " لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله ".
فإذا كان الرجل خبيرا بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال الشيطانية والأحوال الرحمانية، قد قذف الله في قلبه نوره.
كما قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ .
ففرق بين حال أولياء الرحمن وحال أولياء الشيطان، كما يفرق
[ ٢ / ٥٩٥ ]
الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزائف. وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء.
وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب.
ففرق بين محمد الصادق رسول رب العالمين، وموسى والمسيح وغيرهم.
وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي، ونحوهم من الكذابين.
فكذلك يجب الفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشياطين الظالمين، وبسط ذلك لا يتسع له هذا الموضع.
ولشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية في ذلك مصنف سماه: " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " أتى فيه بالعجب العجاب، فجزاه الله خير الجزاء، وأثابه خير الثواب.
[ ٢ / ٥٩٦ ]