فصل
ومن وجوه إعجازه كونه آية باقية ما بقيت الدنيا، محفوظا من التغيير والتبديل الواقعين في الكتب قبله، كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ .
وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، ولم يبق إلا خبرها. والقرآن العزيز، الباهرة آياته، الظاهرة معجزاته، الذي هو أعظم من كل معجزة، وأبهر من كل آية باق على ما كان، غضا طريا لم يتغير منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وجميع وجوه إعجازه التي ذكرناها ثابتة إلى يوم القيامة، بينة الحجة لكل أمة تأتي.
لا يخفى وجه ذلك على من نظر إليه، وتأمل وجوه إعجازه.
وما أخبر به من الغيوب يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، حتى كأنه يشاهد عيانا، فيتجدد الإيمان، ويتظاهر البرهان، وليس الخبر كالعيان.
والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين، وإن كان كل عندها حقا.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وإلى هذا المعنى - كما قال القاضي عياض - أشار النبي - ﷺ - فيما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " «ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيه أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» ". وهذا لفظ مسلم.
ومما يلحق بإعجازه إخباره بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا، ولا قدروا على ذلك، كقوله لليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
والإعجاز في هذا من وجهين:
من جهة إخباره بأنه لا يكون أبدا، فلم يكن. وهذا أدخل في باب الإخبار بالغيب.
ومن جهة صرف دواعيهم.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وهذا من أعجب الخوارق، أنهم مع حرصهم على تكذيبه لم تنبعث دواعيهم لإظهار تكذيبه بالتمني، بل صرفهم الله عن تمنيه، ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه.
قال أبو محمد الأصيلي:
من أعجب أمرهم أنه لا توجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله بذلك نبيه - ﵇ - يقدم عليه، ولا يجيب إليه، وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم.
وكذلك آية المباهلة التي نزلت في قصة وفد نجران، حيث نكلوا عن المباهلة، ورجعوا إلى الصلح، وبذلوا الجزية.
وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ، فما فعلوا، ولا قدروا، ولا يفعلون أبدا.
واعلم أن آية التمني - على ما قرره الحافظ ابن كثير - هي من باب المباهلة، على معنى أنها تضمنت الدعاء بالموت على أي الفريقين أكذب: من اليهود، ومن المسلمين، فقال:
" قال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد
[ ٢ / ٤٤٩ ]
بن جبير عن ابن عباس يقول لله لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: اعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، أي: لعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات.
قال ابن كثير: وهذا في الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب. ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس، رحمهم الله تعالى.
والمعنى: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء وأحباؤه من دون الناس، وأنكم أهل الجنة ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعو على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة لتستأصل الكاذب لا محالة.
فلما تيقنوا ذلك، وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة، لما يعلمون من كذبهم، وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول - ﷺ - ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وسميت هذه المباهلة تمنيا، لأن كل محق يتمنى لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره. انتهى.
واعلم أن النصراني - فيما تقدم من كلامه - قسم معجزات نبينا - ﷺ - إلى ثلاثة أقسام: قسم زعم أنه مما أمكن فعله بحيلة مما تقوم به القوة البشرية، وأراد أن القرآن من ذلك.
وقسم زعم أنه من المحال كانشقاق القمر.
وقسم زعم أنه ليس عليه شهود.
وقد عرفت بما قدمناه الجواب عن القسم الأول، وأن البراهين القوية، والأدلة الصحيحة العقلية شاهدة أن القرآن غير مقدور للبشر، وأنه مما لا يمكن الإتيان به إلا بالوحي من الله ﷿.
وعلى التنزل إلى أنه مما يمكن البشر الإتيان به فقد ثبت عجزهم عنه وظهر انقطاعهم، ويكون ذلك على هذا القول بصرف الله إياهم عن معارضته، كما صرف اليهود عن تمني الموت تصديقا لنبيه - ﷺ - في إخباره أنهم لن يتمنوه أبدا. وكما صرف النصارى عن المباهلة، فقامت الحجة، وانقطعت المعذرة، وجاء الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.
[ ٢ / ٤٥١ ]