الوجه التاسع:
أن القرآن جاء بموافقة التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء في الخبر عن الله -تعالى- وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك تفصيلا وبيانا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها.
وهذا معنى كون القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب كما قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ .. .
وقال -تعالى-: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وذلك برهان عظيم على أنه من عند الله، وأن الرسول الذي جاء به صادق.
فإنه لما جاء يطابق ما جاء به من قبله من الرسل مع تباعد الزمان وشهادة أعدائه، وإقرارهم بأنه لم يتلقه من بشر.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ولهذا يمتحنونه بأشياء كانوا يعلمون أنه لا يخبر بها إلا نبي أو من قد أخذ عنه، وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحد البتة، ولو كان ذلك لوجد أعداؤه السبيل إلى الطعن عليه ومعارضته بمثل ما جاء به، إذ من الممكن أن لو كان ما جاء به مأخوذا عن بشر أن يأخذوا هم عن ذلك البشر أو عن نظيره، فيعارضوا ما جاء به.
وسيأتي مزيد لهذا المعنى فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
والمقصود أنه لما طابق الكتب المتقدمة وصدقها وشهد بصحة ما أنزل الله فيها من غير مواطأة ولا اقتباس منها، دل على أن الذي جاء به رسول صادق، كما أن الذي جاء به كذلك، وأن مخرجها من مشكاة واحدة.
كما قال النجاشي - ملك الحبشة وأحد علماء النصارى - حين قرئ عليه القرآن: " هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة "، يعني فإذا كان موسى صادقا وكتابه حقا فهذا كذلك.
[ ١ / ٢٤٠ ]
حيث أخبر بما أخبر به من غير مواطأة ولا تساعد ولا تلقي عمن أخذ عنه، ويكون ذلك دليلا على صدق الرسول الأول أيضا.
ونظير هذا أن يشهد رجل بشهادة فيخبر فيها بما يقطع معه بأنه صادق في شهادته صدقا لا تتطرق إليه شبهة، فيجيء آخر من بلاد أخرى لم يجتمع بالأول ولم يتواطأ معه، فيخبر بمثل تلك الشهادة سواء، مع القطع بأنه لم يجتمع به ولا تلقاها من أحد اجتمع به.
فهذا يكفي في صدقه إذا تجرد الإخبار، فكيف إذا اقترن بأدلة قطع بها بأنه صادق أعظم من الدلالة التي اقترنت بخبر الأول، فكيف إذا بشر به الأول، فكيف إذا اقترن بالثاني من البراهين الدالة على صدقه نظير ما اقترن بالأول وأقوى منها؟
وكثيرا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن، إذ في ضمنه الاحتجاج على أهل الكتابين على صحة نبوة محمد -ﷺ- بهذا الطريق.
وهو حجة -أيضا- على غيرهم بطريق اللزوم، لأنه لما جاء بمثل ما جاءوا به من غير أن يتعلم منهم حرفا واحدا دل على أنه من عند الله، وحتى لو أنكروا رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاءوا به إثبات لرسالته ورسالة من تقدمه، ودليل على صحة الكتابين، وصدق الرسولين، لا سيما والكتاب الثاني جاء على يد أمي لم يقرأ كتابا، ولا خطه بيمينه، ولا عاشر أحدا من أهل الكتاب، بل نشأ بين قوم أميين يشاهدون حاله حضرا وسفرا وإقامة.
[ ١ / ٢٤١ ]
فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر، ولا في قدرتهم فهو برهان أبين من الشمس، فقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه، وتصديق من تقدمت البشارة به، فتطابقت حجج الله به وبيناته على أيد أنبيائه ورسله، وانقطعت المعذرة، وثبت الحق، وقامت الحجة، فلم يبق إلا العناد المحض، والإعراض والصد.
وأما مخالفة القرآن بعض ما تضمنته بعض تلك الكتب فهو غير قادح في الدليل، فإنه لما جاء القرآن بما فيها من أصول دين الأنبياء والشرائع الكلية، وغير ذلك من سائر ما تضمنته من حجج الله وبيناته كان ذلك دليلا على وقوع التغيير فيها والتبديل، وعلمنا قطعا أن ذلك واقع في الجزء الذي خالف ما جاء به القرآن، إما بزيادة ونقصان في الألفاظ، وإما بتحريف التأويل وإخراج اللفظ عن مدلوله: إما في أصل لفظ لغة ذلك الكتاب، أو في الترجمة باللغة التي نقل إليها. فالقرآن هو المهيمن على تلك الكتب الشاهد بصدقها وكذب ما حرف فيها.
الوجه العاشر:
أن أهل الكتاب قد مزجوا أخبارهم بكتب أنبيائهم، كما هو مشاهد في الإنجيل الذي بيد النصارى، كقصة اليهود مع المسيح، وما زعمه النصارى من قتله وصلبه ودفنه، ثم قيامه من بين الأموات وغير ذلك من الأخبار التي إنما هي محكية عن تلاميذ عيسى وأتباعه، وقد خلطوها مع كتاب الله من غير تمييز بين ما هو عن الأنبياء - ﵈ -، وبين غيره.
[ ١ / ٢٤٢ ]