وأيضا فقد حفظه كله عن ظهر قلب جماعة من الصحابة تلقوه من فم محمد -ﷺ- من أوله إلى آخره، وتوفي رسول الله -ﷺ- وأصحابه متوافرون، فألهم الله خليفة رسوله أبا بكر الصديق أن يجمع القرآن في المصحف حداثة العهد بوفاة رسول الله -ﷺ- وأصحابه متوافرون، فجمعوه بحضور علمائهم، وسباقهم من المهاجرين والأنصار الذين عرفوا كل آية منه، وكل سورة متى نزلت، وفي أي شيء نزلت، وتلقوه غضا طريا عن نبيهم -ﷺ-، وأتقنوه علما وعملا.
كما قال الأعمش: عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي:
حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من رسول الله -ﷺ-، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوهن
[ ١ / ٢٣٦ ]
حتى يعملوا بما فيها من العلم قال: فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.
والمقصود أن القرآن نقل بالتواتر عن محمد -ﷺ- من أول الأمر حتى لا يتطرق الشك إلى حرف واحد منه أنه من القرآن.
ولم يقيض لمن قبلنا من حفظ الكتب وضبطها ما يقارب ذلك، فإنا قد دللنا على وقوع التحريف والتصحيف في كتب النصارى بما لا يمكنهم دفعه، فضلا عما اعترفوا به من الشك في بعضها من أصله.
وأما كتابنا فإن أحدا لو حاول أن يغير حرفا أو نقطة منه لقال له أهل الدنيا: هذا كذاب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا.
ولم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الكتاب العزيز الذي صانه الله عن التحريف، وحفظه عن التغيير والتصحيف، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوافرة على إفساده وإبطاله، وانقضى الآن ما ينيف على ألف ومائتين وأربعين سنة من أول نزوله وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ.
[ ١ / ٢٣٧ ]