فصل
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
" الكلام في النبوة من جنس الكلام في الخبر، فقول القائل: (إني رسول الله إليكم) خبر من الأخبار، والخبر تارة يكون مطابقا لمخبره كالصدق المعلوم أنه صدق، وتارة لا يكون كالكذب المعلوم أنه كذب ".
فإن لم يقم دليل صدقه أو كذبه بقي ما لا نصدقه ولا نكذبه، ولهذا قال - تعالى -: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
فأمر بذلك، لأنه قد يصدق، فدل على أنه لا يجوز تصديقه بمجرد إخباره، ولا يجوز - أيضا - تكذيبه قبل أن يعرف أنه كذب.
وفي صحيح البخاري عن النبي - ﷺ -: " «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا، وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» ".
وهذا مأثور عن غيره من الأنبياء، كما جاء عن المسيح - عليه
[ ٢ / ٥٤٩ ]
السلام - أنه قال: " الأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه ".
وعامة عقلاء بني آدم على هذا، وهو مما يجب معرفته.
فإن كثيرا من الناس لا يميز بين ما ينفيه لقيام الدليل على نفيه، وبين ما لم يثبته لعدم دليل إثباته، فينفي ما ليس له به علم. ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ .
وكثير من الناس يعلم بالاستدلال والنظر صدق شخص معين.
كما أن كثيرا منهم يعلم بالأخبار والنقل والاستدلال بذلك أمورا كثيرة، ومن لم يشاركهم فيما سمعوه، وفيما عرفوه من أحوال المخبرين، وأحوال المخبر به لا يعلم ما علموه.
فلهذا كان لأهل النظر العقلي طرق لا يعرفها أهل الأخبار.
ولأهل الأخبارالسمعية طرق لا تعرف بمجرد العقول.
ولهذا كان لهؤلاء من الطرق الدالة على صدق الرسول ونبوته، والاستدلال على ذلك أمور كثيرة لا يعرفها أهل الأخبار.
وعند أهل الأخبار من الأحاديث المتواترة عندهم، والآيات المستبينة ما يعرفون به صدق الرسول، وإن كان أولئك لا يعرفونها.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
والناس قد يعلمون أن الخبر الواحد قد يقوم الدليل على كذبه، فيعلم أنه كذب وإن أخبر به ألوف، إذا كان خبرهم عن غير علم أو عن تواطؤ.
مثل أخبار أهل الاعتقادات الباطلة بها.
وأما إذا أخبروا عن علم منهم فهم صادقون في نفس الأمر.
ويعلم صدقهم تارة بتواتر أخبارهم من غير مواطأة، ولو كانا اثنين.
فإن الاثنين إذا أخبرا بخبر طويل أسنداه إلى علم، وقد علم أنهما لم يتواطآ عليه، ولا هو مما يتفق في العادة تماثلها فيه في الكذب أو الغلط، علم أنه صدق.
وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل وبقرائن تقترن به تكون صفات في المخبر من علمه ودينه وتحريه الصدق، أو تكون صفات في المخبر به مختصة بذلك الخبر أو بنوعه، كحاجب الأمير إذا قال بحضرته لعسكره: إن الأمير قد أذن لكم في الانصراف، وأمركم أن تركبوا غدا، أو أمر عليكم فلانا، ونحو ذلك.
فإن العادة كما قد تمنع التواطؤ على الكذب، فإنها قد تمنع التواطؤ على الكتمان وإقرار الكذب، فما توفرت الهمم والدواعي على ذكره يمتنع أن يتواطأ أهل المكان على كتمانه.
[ ٢ / ٥٥١ ]
كما يمتنع في العادة أن تحدث حادثة عظيمة تتوافر الهمم والدواعي على نقلها في الحج أو المجامع أو العسكر.
وإذا امتنع السكوت عن إظهارها، فالسكوت عن تكذيب الكاذب فيها أشد امتناعا.
وقد تكون الدلائل صفات في المخبر تقترن بخبره.
فإن الإنسان قد ترى حمرة وجهه، فيميز بين حمرته من الخجل والحياء وبين حمرته من الحمى وزيادة الدم، وبين حمرته من الحمام وبين حمرته من الغضب.
وكذلك يميز بين صفرته من الفزع وصفرته من الحزن وصفرته من المرض.
حتى إن الأطباء الحذاق يعلمون حال المريض بمجرد رؤيته لا يحتاجون مع ذلك إلى نبض وقارورة.
وكذلك تعرف أحواله النفسانية هل هو فرح أو محزون، وهل هو محب مريد للخير أو مبغض مريد للشر؟
[ ٢ / ٥٥٢ ]
كما قيل:
تحدثني العينان ما القلب كاتم من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
وكما قيل:
والعين تنظر من عيني محدثها هل كان من حزبها أو من أعاديها
ثم إذا تكلم مع ذلك دل كلامه على أبلغ مما تدل عليه سيما وجهه.
وقد روي عن عثمان - ﵁ - أنه قال: " ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه ".
وقال عمر بن الخطاب للعابث في صلاته: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ".
[ ٢ / ٥٥٣ ]