فصل
وأما قول النصراني:
" وهم - يعني الأتراك - بعد طول محاربة للمسلمين، دعوا إلى العهد وقبلوا الشريعة الموافقة لأخلاقهم بغير امتناع، ونقلوا حكم الدولة لأنفسهم " إلى آخره.
فهذا فيه نوعان من الخطأ:
الأول منهما:
ما دل عليه كلامه من أن الأتراك الذين حاربوا المسلمين أولا هم الذين كانت لهم الولة آخرا.
وهذا باطل وجهل بالدول وأخبارها، فإن الأتراك الذين حاربوا المسلمين في الحوادث المشهورة هم التتار الذين خرجوا من أطراف بادية الصين، فأفسدوا في الأرض، وأبادوا البلاد والعباد، وكانت منهم الحادثة العظمى على بغداد سنة ٦٥٤ هـ، وبها زالت دولة بني العباس
[ ١ / ٢٠٧ ]
من بغداد وكان رئيسهم (جنكيزخان)، ثم (هولاكو) بعده، ووصلوا إلى حلب وأطراف الشام، فالتقوا هناك بالعسكر المصري، فهزمهم الله -تعالى- شر هزيمة في سنة ثمان وخمسين وستمائة، قال السخاوي المؤرخ: " ثم لم يزل لهم بقايا يخرجون إلى أن كان آخرهم تيمور لنك الأعرج، الذي خرج سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة. وبالجملة فلم يبق لهم على المسلمين سلطنة، ولم تستقر لهم دولة ".
[ ١ / ٢٠٨ ]
وأما الأتراك الذين كانت لهم سلطنة على المسلمين فهم طوائف، وأول حدوثهم في دول الإسلام أيام المعتصم العباسي لكون السبي كثر فيهم إذ ذاك، فاستكثر المعتصم منهم المماليك، حتى كان أكثر عسكره منهم. ثم غلبوا على الملك - كما أشرنا إليه قريبا - حتى قتلوا ابن سيدهم المتوكل ابن المعتصم، ثم خالطت المملكة بنو بويه ملوك الديلم، ثم كانت الملوك السامانية من الترك أيضا، ثم غلب على الممالك آل سبكتكين غلام معز الدولة ابن بويه الديلمي، ثم آل سلجوق، فامتدت مملكتهم من خراسان إلى العراق والشام والروم، ثم كانت حادثة
[ ١ / ٢٠٩ ]
التتار التي زالت بها الخلافة من بغداد. ثم كانت بقايا أتباع آل سلجوق بالشام، ثم كان أتباع آل زنكي - بنو أيوب اكراد -، فاستكثر بنو أيوب من المماليك الأتراك، فغلبوهم بالديار المصرية والشامية. وكان من هؤلاء الأتراك السلطان الملك المظفر قطز الذي خرج بالعساكر المصرية إلى ملاقاة التتار بالشام في الواقعة التي أشرنا إليها، ثم كانت بعدهم الدولة الجاركسية، وكانوا مماليك للأتراك المذكورين، استكثروا منهم، ثم غلبوهم على المملكة، وهم الذين أخرجهم السلطان الغوري، وكانوا أيضا من الأتراك.
[ ١ / ٢١٠ ]
فهذه دولة الأتراك المشهورة في الإسلام، لم يكن ملكهم ودولتهم إلا بالطريق الذي ذكرناها.
وأما التتار فهم - وإن كان قد دخل في الإسلام منهم من شاء الله - فلم يبق لهم على المسلمين دولة، ولم يستقر لهم سلطنة، بل كان آخر أمرهم الدمار والبوار.
ومنشأ غلط النصراني هو من جهة ما يقال: إن سلاطين بني عثمان كانوا في الأصل من التتار، كما هو أحد الأقوال في نسبهم، وهذا وإن كان هو الأصح في نسبهم عند البعض، لكن دولتهم لم تنشأ من جهة التتار ولا كان لهم بها تعلق، وإنما كان ابتداؤها في أطراف الروم مما يلي الشام.
[ ١ / ٢١١ ]
وسبب ذلك أن السلطان عثمان - وهو الذي ينسبون إليه - كان هو وأبوه في خدمة السلطان علاء الدين السلجوقي - ملك تلك الناحية - فترقت بهم الأحوال في خدمته، فتوفي السلطان السلجوقي -، وعثمان في خدمته، ومن أعيان دولته -، ولم يكن بعد السلطان من أهل بيته من يقوم مقامه، فاتفق العسكر على تولية عثمان وتقديمه، فتم له الأمر ولأولاده من بعده، فافتتحوا الديار الرومية، واستقرت بها سلطنتهم، ثم أخذوا ممالك الشام ومصر والحرمين من الجراكسة فيما بعد العشرين وتسعمائة.
[ ١ / ٢١٢ ]
النوع الثاني:
قوله: " وقبلوا الشريعة الموافقة لأخلاقهم بغير امتناع ".
فتحت هذا الكلام تمويه باطل، وهو خطأ ظاهر، ثم هو مناقض لما يأتي من كلامه: " أن الشريعة الإسلامية متعلقة بالكلية بالسيف والقتال ".
ولكنه لما سمع بدخول من دخل في الإسلام من التتار بغير إكراه ولا قتال، حاول أن يجعل ذلك ليس من باب الاختيار الذي دعاهم إليه ما عرفوه بعقولهم من صحة دين الإسلام وشرفه، حتى اختاروه على دينهم، وعلى اليهودية والنصرانية، فأحال ذلك على موافقة أخلاقهم.
ومن المعلوم أن من نشأ على دين وجد عليه آباءه وأسلافه والمعظمين عنده، فإنه لا يدعه ويؤثر غيره عليه إلا أن يحمله على ذلك رغبة أو رهبة، أو يدله العقل على فضيلة ما اختاره، فأما خلقه الموافق لهواه فإنه لا يدعوه إلى اختيار دين غير آبائه لا سيما والدين الذي اختاره يتضمن من التكاليف الشاقة على الأنفس ما هو مضاد لهوى النفس.
ولا ريب أن الذين دخلوا في الإسلام من أولئك التتار - وقد كانوا أهل شوكة ودولة - لم يكن لهم داع إلى ذلك من رغبة ولا رهبة، وإنما دخلوا في الإسلام لما رأوا من شرفه وفضله بعد مخالطة المسلمين.
وهذا يدل على معنى ما أشرنا إليه فيما تقدم، ويأتي إيضاحه فيما بعد - إن شاء الله - من أن من الحكمة في شرع الجهاد ليس
[ ١ / ٢١٣ ]
إجبار الناس على الدخول في الإسلام بالظاهر دون الباطن، وإنما سيف الجهاد منفذ للشريعة موصل لها إلى أسماع المكلفين؛ حتى يصغوا إليها، فيعلموا أنها الحق، فيعملوا بها باطنا وظاهرا.
ولما كان هؤلاء القوم خالطوا المسلمين، وسمعوا القرآن، ورأوا محاسن الإسلام دعتهم عقولهم إلى استحسانه من غير داع آخر، ولا رغبة ولا رهبة، مع أن إسلام أكثرهم ضعيف من جهة تساهلهم في فعل المأمورات، وترك المحظورات، كما ذكر العلماء بأحوالهم.
واعلم أن السنة النبوية قد أشارت إلى قتال الترك وفتنتهم، فهو من الأعلام الظاهرة على نبوة محمد -ﷺ- فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، صغار الأعين، ذلف الأنوف» . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي رواية: «حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه، فطس الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة» .
[ ١ / ٢١٤ ]
وفي رواية للبخاري: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم كالمجان المطرقة، نعالهم الشعر» . وفي لفظ: عراض الوجوه.
وجاء عنه -ﷺ- أنه أخبر: «بأن الترك ستغلب على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم»، وورد عنه في حديثه: «اتركوا الترك ما تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكها بنو قنطوراء» .
فقد ظهر مصداق ما أخبر به -ﷺ- في هذه الواقعة كغيرها من الغيوب التي أطلعه الله عليها فوقعت على وفق ما أخبر.
[ ١ / ٢١٥ ]