قال النصراني:
" فصل في الترجيح بين المسيح ومحمد.
ولنقيس الآن الخصال، والأحوال المتعلقة بالشريعتين، لننظر أيهما أشرف، وأولى بأن تتبع.
ووجه امتحان ذلك هو اعتبار كمال ذلك الشخص، وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته، وأكبر علاماتك اطراح اللذات البدنية، والتهاون بها. فإن هذا أول درجات أهل العلم، فناهيك الأنبياء، وبخاصة التي هي عار علينا كما ذكر أرسطو، ولا سيما قذارة النكاح.
ولذلك فضح الله بها كل مدع، ليتبين الحق للمحقين، ولا يضلوا، ولا يغلطوا.
وإنما يشوع فهو على ما يعترف به المسلمون المسيح الموعود به في التوراة وكتب الأنبياء، ويسميه محمد بكلمة الله وروحه، ويقول:
[ ١ / ٣٠١ ]
إنه لم يكن له أب من البشر، وأما محمد فهو مولود على الطريق المعتاد به في الطبيعة.
وكان يشوع ذا صلاح تام في سيرته، حتى لم يطعن في عرضه بشيء. أما محمد فهو صاحب الغزاة والقتال، مغرما بالنساء، كثير النكاح. وكان يشوع قد ارتفع إلى السماء. وأما محمد فهو بقي محبوسا في القبر.
فمن ذا الذي لا ينظر أيهما أولى بأن يتبع ". هذا كلامه.
فنقول - وبالله التوفيق -:
لا ريب أن النظر في التفضيل إنما يكون بين شيئين متقاربين في الفضل مع ثبوت الفضل في كل منهما، فيكون النظر حينئذ نظر ترجيح، بحسب كثرة الفضائل والمحاسن في أحد الشقين.
ومعلوم أنه لا نسبة بوجه من الوجوه بين أنبياء الله ورسله وبين الكذبة على الله المتقولين، ولا بين الشرائع التي شرعها -تعالى-، وفرض فرائضها وحدودها على أكمل وجوه الحكمة والمصلحة، وبين مخترعات المخلوقين ومبتدعاتهم، إلا عند أهل الضلالة والجهالة، كهؤلاء النصارى الذين اتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل.
[ ١ / ٣٠٢ ]