قال النصراني:
" فصل في الرد على المسلمين بحجة مأخوذة من الكتب المقدسة التي لليهود والنصارى، وأنهم لم تتغير.
من المشهور المجتمع عليه عند المسلمين، وما قد شهد له محمد أن الله بعث موسى، ويشوع، الذي اسمه في العربية عيسى.
وأن الذين دعوا الناس في أول الأمر إلى قبول شريعة يشوع كانوا من أهل الصلاح، ولكن مع ذلك توجد في القرآن أخبار عدة مخالفة لما أتى به موسى وتلاميذ يشوع.
ومن جملة تلك الأخبار نقتصر على ما أوتي به من أمر يشوع:
فأما الذي حقق رسله وتلاميذه بإجماع منهم كلهم أنه صلب، ومات، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات وشاهده عدة من الناس، وأما المسلمون يزعمون بخلاف ذلك، أنه رفع إلى السماء خفية، وأن المصلوب هو الشخص المشبه به ظنه اليهود أنه هو، وأما يشوع فلم يصلب، ولم يقتل.
ولا سبيل إلى فك هذا الاعتراض إلا أن يقولوا - وهو قولهم -: إن كتب موسى وتلاميذ يشوع لم تبق على ما كانت عليه أولا، إنها تغيرت. وقولهم هذا مما أبطلناه فيما تقدم.
وإنما لو قال أحد: " إن القرآن قد تغير " لأنكر المسلمون ذلك.
[ ١ / ٢١٧ ]
وقالوا: إن في إنكارهم ذلك ما يكفي ردا على من يقول: " إنه بدل " ما لم يكن له حجة يستدل بها على صحة قوله. مع أنهم لا يمكنهم أن يستدلوا على صحة كتابهم بما يعادل دلالتنا على صحة كتابنا من حيث انتشار عدة نسخ منذ أول الأمر في جميع الآفاق، لا كحال كتابهم بلسان واحد، بل بلغات عدة، وأنها محفوظة عند الفرق المختلفة. هذا كلامه.
والجواب عنه من وجوه:
الأول:
أن هذا الاعتراض وأمثاله نظير اعتراض اليهود على نبوة عيسى -﵇- واحتجاجهم بأشياء من التوراة التي بأيديهم.
كاعتراضهم في إحلال السبت بأن في التوراة الأمر بالتمسك بالسبت ما دامت السماوات والأرض.
وكاعتراضهم بما في التوراة من وصف زمن المسيح مثل: أنه سيسكن الذئب مع الجمل، والنمر مع الجدي، والأسد مع الضأن وأن الطفل يلاعب الحية، وأن جبل الله سيعلو على سائر الجبال، وأن غير اليهود من الأمم سيأتون ويسجدون لله فيه ، إلى غير ذلك من اعتراضات اليهود على نبوة عيسى -﵇ -.
وليس عند النصارى جواب عن اعتراضهم إلا وعند المسلمين من
[ ١ / ٢١٨ ]
الأجوبة عن اعتراض الطائفتين ما هو أظهر وأوضح، كما سيأتي ما يتيسر من ذلك مما يتعلق بغرضنا - إن شاء الله -.
الوجه الثاني:
أن المعجزات الظاهرة والأدلة القاطعة قد قامت على نبوة محمد -ﷺ- وبعد ثبوت المعجزات فلا التفات إلى مثل هذه الاعتراضات.
كما قد أجاب به النصراني عن شبهات اليهود فلا يبقى إلا التسليم لخبر من قامت المعجزة على صدقه. فلما ثبت بالأدلة القاطعة صدق محمد -ﷺ- في خبره عن الله علم قطعا كذب كل خبر يخالف ما جاء به.
يوضح ذلك الوجه الثالث:
وهو أن دعوى النصارى قتل المسيح، وصلبه مستندة إلى أخبار من وضع الكتب التي بأيدي النصارى، وهي غير موثوق بها، لما سنبينه من أمرها، ولأنها كانت في أول الأمر بأيدي عدد قليل لا يستبعد تواطؤهم على الكذب والتبديل والتغيير، فلا يعارض بها خبر من جاء بالمعجزات التي لا مرية معها أنه أخبر بما أخبر به عن وحي من الله.
[ ١ / ٢١٩ ]
وقد قال الله -تعالى- في الكتاب الذي أنزل عليه فيما ذم به اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
وكان من خبر اليهود أنهم لما بعث الله عيسى بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات التي منها: أنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى - بإذن الله -، ويصور من الطين طائرا، ثم ينفخ فيه، فيكون طائرا يشاهد طيرانه - بإذن الله ﷿ - ، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها، فأجراها على يديه.
ومع هذا كذبوه وخالفوه ورموه بالعظائم كما قال -تعالى- في الآية: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ .
قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس:" إنهم رموها بالزنا ".
[ ١ / ٢٢٠ ]
وكذا قال غير واحد من السلف، وهو ظاهر من الآية، فجعلوها زانية قد حملت بولدها من ذلك. زاد بعضهم: وهي حائض ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ .
أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب وقد قتلناه، وهذا من باب التهكم والاستهزاء كقول المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: يا ذا الذي يدعي لنفسه ذلك، إنك لمجنون.
والمقصود أن اليهود آذوا نبي الله -﵇- بكل ممكن حتى جعل لا يساكنهم في بلد، بل كان يكثر السياحة هو وأمه - ﵉ - حتى كان آخر ذلك أن سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب من اليونان، وأنهوا إليه أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس، ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك، وكتب إلى نائب بيت المقدس: " أن يحتاط على هذا المذكور، ويصلبه، ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن الناس ". فامتثل والي بيت المقدس ذلك.
وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى -﵇ - وهو في جماعة: اثنا عشر، أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة
[ ١ / ٢٢١ ]
عشر نفرا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر إقبال السبت فحصروه، فلما أحس بهم، وأنه لا محالة من دخولهم إليه، أو خروجه إليهم قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟
فابتدر لذلك شاب منهم، فاستصغره عن ذلك، فأعادها ثانية، فكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقي عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة في سقف الباب، وأخذت عيسى -﵇- سنة من النوم، فرفع إلى السماء، وهو كذلك كما قال -تعالى-: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
فلما دخل أولئك النفر ورأوا ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى -﵇-؛ فأخذوه في الليل، وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم قتلوه، وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى، ذلك بجهلهم وقلة عقلهم ما عدا من كان في بيت المسيح؛ فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت. ويقال: إنه خاطبها. والله أعلم.
وهذا كله امتحان من الله لعباده لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد وضح الله الأمر، وجلاه، وبينه، وأظهره في القرآن الذي
[ ١ / ٢٢٢ ]
أنزله على رسوله المؤيد بالمعجزات، والبينات، والدلائل الواضحات، فقال -تعالى- وهو أصدق القائلين، ورب العالمين المطلع على السرائر والضمائر الذي يعلم السر في السماوات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه؛ فظنوا أنه إياه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني: من ادعى قتله من اليهود ومن سلمه لهم من جهلة النصارى كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال.
قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " لما أراد
[ ١ / ٢٢٣ ]
الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج عيسى على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين - يعني فخرج عليهم - من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة.
ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي؛ فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال: أنا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال أنت هو ذاك، فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزتة في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبيه، فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة من بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق:
فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية.
وقالت فرقة: كان عبد الله ورسوله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون.
وقالت طائفة: هو ابن الله، كان فينا ما شاء، ثم رفعه إليه، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا -ﷺ- ". وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، قاله الحافظ ابن كثير.
قال " ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه ".
[ ١ / ٢٢٤ ]
وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال: أيكم يلقى عليه شبهي؛ فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة؟. وللقصة طرق كثيرة ملخص الصحيح منها ما قدمنا.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ .
قال ابن عباس في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: " قبل موت عيسى ".
قال العوفي عنه: " عند نزول عيسى لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به "، وقيل: " قبل موت الكتابي ". والصحيح القول الأول؛ لأن المقصود من سياق الآية كما قال ابن كثير: تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم ذلك من النصارى.
فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبيه،
[ ١ / ٢٢٥ ]