قال النصراني:
" فصل في تمييز الأسباب التي بواسطتها انتشرت كلتا الشريعتين، قد قلنا في شأن الشريعة المسيحية: إنها انتشرت بواسطة الآيات والمعجزات التي صدرت، لا عن المسيح وحده، بل وعن تلاميذه، وبواسطة الصبر على الشدائد وأنواع العذاب في طاعة الله. أما الذين نشروا دين محمد فإنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات، ولم يقاسوا شيئا من البلايا الشديدة، ولا من أنواع القتل الشنيعة من أجل اعتقادهم، بل تبعت الشريعة حيث سهل السيف طريقها قدامها، فإنها متعلقة بالكلية بالسيف والقتال ".
الجواب - والله الموفق -:
هذا الكلام يدل إما على الجهل المفرط، وإما على العناد والمكابرة في إنكار ما استفاضت به الأخبار، وتضمنته كتب السيرة، وتلقاه الخلف عن السلف من شدة ما عاناه المؤمنون من أذى المشركين، إذ كانوا بمكة مع النبي - ﷺ - وما قاسوه من الضيق والبلاء، تارة بالضرب الشديد، وتارة بالقتل الشنيع، وتارة بالحصار وقطع الميرة عنهم، وعدم اتصال أحد بنافعة إليهم، إلى غير ذلك من إخراجهم من ديارهم وإزعاجهم من أوطانهم.
وهم في كل ذلك صابرون على دينهم متابعون نبيهم - ﷺ - لا يبالون بما أصابهم في ذات الله.
قال الإمام محمد بن إسحاق في السيرة:
[ ٢ / ٥٦٩ ]
" إنهم - يعني المشركين - عدوا على أسلم وبايع واتبع رسول الله - ﷺ - من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر.
فمن استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصبر، ويعصمه الله منهم.
فكان بلال - مولى أبي بكر - لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب.
فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى.
فيقول - وهو في ذلك البلاء -: أحد أحد. حتى مر به أبو بكر الصديق يوما وهم يصنعون ذلك به، فاشتراه، وأعتقه ".
[ ٢ / ٥٧٠ ]
قال ابن إسحاق: "ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب
منهم زبيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذبوا، ما تضر اللات والعزى وما ينفعان. فرد الله إليها بصرها.
ومر بجارية لبني عدي، وكان عمر بن الخطاب يعذبها، لتترك الإسلام - وهو يومئذ مشرك - وهو يضربها، حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة، فابتاعها أبو بكر، فأعتقها.
وكان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه -
[ ٢ / ٥٧١ ]
وكانوا بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة ".
قال ابن إسحاق:
" فيمر بهم رسول الله - ﷺ - فيقول فيما بلغني: " «صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة» ". فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام.
وكان أبو جهل الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه، فقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به ".
قال: " وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - ﷺ - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه، ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي كان به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ".
فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما يصيب أصحابه
[ ٢ / ٥٧٢ ]
من البلاء، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من ذلك قال لهم: " «لو خرجتم إلى إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» ".
فخرج إليها كثير منهم ممن لم يطق المقام بمكة، وصبروا على الجلاء ومفارقة الأوطان والعشائر والإقامة في دار البغضاء البعداء، حتى أنجز الله لهم ما وعدهم.
ثم حصرت قريش رسول الله - ﷺ - ومن معه من المؤمنين في شعب أبي طالب، ومعهم أبو طالب ومن تابعه على النصرة من مشركي بني هاشم وبني المطلب.
وتعاقدت قريش على أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يتركوا أحدا يصل إليهم بنافعة، حتى يسلموا إليهم رسول الله - ﷺ - فاشتد الأمر عليهم، ودام ذلك ثلاث سنين حتى نقض الله ما عقدوه، وأعز رسوله وحزبه.
فهذا بعض حال المهاجرين من أهل مكة.
وأما الأنصار فإن الذي دعاهم إلى الدخول في الإسلام واتباع محمد - ﷺ - بعد عناية الله بهم وسابقة الحسنى أن
[ ٢ / ٥٧٣ ]
اليهود كانوا جيرانهم بالمدينة، وكانت تقع بينهم الحروب في الجاهلية. فكانت اليهود تستفتح عليهم، وتقول: هذا زمان نبي يبعث، فنتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد. فقدم طائفة منهم مكة في بعض المواسم، وسمعوا ما يدعو إليه رسول الله - ﷺ - من محاسن الشريعة وما يتلوه من القرآن الذي دلتهم عقولهم أنه ليس من قول البشر، وعلموا أنه رسول الله، وأنه الذي كانت توعدهم به اليهود، فآمنوا به، وصدقوه، وبايعوه على الإيمان والنصرة.
ولما أرادوا بيعته ليلة العقبة - وكانوا سبعين رجلا - قال لهم أسعد بن زرارة - وهو أحد ساداتهم - وقد أخذ بيد النبي - ﷺ -: " رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وجزاؤكم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله.
فقالوا: يا أسعد، انقل عنا يدك، فو الله لا ندع هذه البيعة، ولا نستقيلها. فبايعوه، وأعطاهم بذلك الجنة ".
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ومن المعلوم أن ما تحملوه من ذلك هو من أعظم ما يشق على النفوس؛ فإنهم نابذوا العرب قاطبة، بل الخلق كلهم، وقاطعوا من لم يدخل معهم في ذلك من أهليهم وعشائرهم، وقطعوا الحبال بينهم وبين الناس.
وهكذا المهاجرون من غير أهل مكة، قد أسلم منهم كثير، وهجروا أوطانهم وعشائرهم، وهاجروا إليه في المدينة وصبروا على ما كابدوه من الجوع والعري والشدة ومفارقة المألوفات قبل أن يقوم الجهاد.
وإنما دخلوا بالدعوة والقرآن، وإلا فلم يكن له - ﷺ - ما يستميل به القلوب من مال، فيطمع فيه، ولا قوة يقهر بها الرجال، ولا أعوان على الأمر الذي أظهروه، والدين الذي دعا إليه.
وكانوا حين دعاهم مجتمعين على عبادة الأصنام وتعظيم الأزلام، مقيمين على ما هم عليه من عبية الجاهلية في العصبية والحمية والتمادي والتباغي وسفك الدماء وشن الغارات.
لا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم عن سوء أفعالهم نظر في عاقبة ولا خوف عقوبة ولا لائمة، فألف الله بنبيه - ﷺ - بين قلوبهم، وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء، وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدي.
فصاروا إلبا واحدا في نصرته، وعنقا واحدا إلى طاعته،
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وهجروا أوطانهم وبلادهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها عليهم، ولا أموال أفاضها إليهم، ولا عوض في العاجل أطمعهم في نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه.
بل كان من شأنه - ﷺ - أن يجعل الغني فقيرا والشريف أسوة الوضيع.
فهل تلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد؟.
وهذا سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبر الفكري، لا والذي بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور لا يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سمائي، ناقض للعادات ويعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
وبهذا يتبين أن قيام دينه - ﷺ - إنما كان بالحجة. ولكنه شرع الجهاد لتبليغ الأدلة، وإيصال الحجة، وإنفاذ البيان إلى المخاطبين. ومن أجل ذلك كان أكثر الداخلين بالسيف لما سمعوا القرآن وعرفوا الإسلام انفتحت بصائرهم، وصلحت عقائدهم، واستبصروا فيما كانوا عنه من قبل ذلك عمين.
ولهذا المعنى لما وقعت الهدنة التي عقدها النبي - صلى الله عليه
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وسلم - بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن وخلى كل بأهله وأصدقائه، وأخبروهم بأحوال النبي - ﷺ - ومعجزاته وأعلام نبوته وحسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، دخل في الإسلام في مدة هذه الهدنة كثير من الناس، ولهذا سماه الله فتحا مبينا.
والمقصود التنبيه على ما نال المسلمين من الشدائد، وما كانوا عليه من الصبر في طاعة الله ورسوله ونصرة دينه، وأن ذلك إنما كان باليقين الذي اقتضاه ما شاهدوه من آيات النبوة، وأعلام الرسالة، وأن دين الإسلام اشتهر وانتشر في القبائل بالدعوة والبيان قبل أن يفرض الجهاد. وسيأتي تتمة لهذا المعنى إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٥٧٧ ]