فصل
قال النصراني:
" ثم إنه لم يكن للمسلمين النصر والغلبة دائما، فإن من المشهور أنهم انهزموا عدة مرات في البر والبحر، وأنهم طردوا عن جميع بلاد الأندلس وغيرها من البلاد، ولا يمكن الأمر الذي هو كثير الانقلاب من حال إلى حال، والذي يشترك فيه أهل الصلاح والطلاح أن يكون دليلا على صحة الدين ".
الجواب - والله الهادي إلى سواء السبيل -:
أن انهزام المسلمين في بعض المواطن غير قادح في صحة الدليل لوجوه:
الأول: أن ذلك لم يمنع حصول الظهور على الأعداء وتمام الوعد الذي وعد به النبي - ﷺ - بل مع وقوع ذلك في بعض المواطن كان الظهور للمسلمين على جميع أهل الملل، ولما كان الأمر كذلك بطل الاعتراض.
الوجه الثاني: أن سنة الله - تعالى - في رسله وأتباعهم أن يدالوا مرة، ويدال عليهم مرة أخرى، ثم تكون العاقبة لهم.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وبهذا أجاب هرقل أبا سفيان في حديثه الذي قدمناه، حيث قال له هرقل: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجالا، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال هرقل: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة. فصار هذا من أعلام الرسل، فهو دليل لنا لا علينا، ولله الحمد والمنة.
فإن قيل: ففي الأنبياء من قتل، كما أخبر الله أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير حق، وفي أهل الفجور من يؤتي سلطانا، ويسلط على قوم مؤمنين كبخت نصر. أجيب بأن من قتل من الأ نبياء فهو كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد، كما قال -تعالى-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
ومعلوم أن حال هؤلاء أكمل من حال من يموت من المؤمنين حتف أنفه. كما قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية.
[ ٢ / ٦١٠ ]
ثم الدين الذي قاتل عليه الشهيد ينتصر ويظهر، فتكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، ومن قتل منهم كان شهيدا.
وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه، بخلاف من يهلك هو وطائفته فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والشهداء قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا، فهم اختاروا الموت، إما أنهم قصدوه، وإما قصدوا ما به يصيرون شهداء، عالمين بأن لهم السعادة في الآخرة وفي الدنيا بالانتصار لطائفتهم، وبقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء.
بخلاف غيرهم، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقد أخبر الله -تعالى- أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أى: ألوف كثيرة - كما هو أحد الأقوال في الآية - وأنهم ما استكانوا لما أصابهم، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو، وأن الله آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
فإذا كان هذا قتل المؤمنين، فما الظن بقتل الأنبياء، ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو أعظم الفلاح.
الوجه الثالث:
أن في وقوع الهزيمة والكسر على المسلمين في بعض المواطن مصالح عظيمة، وحكما باهرة كثيرة، فمع عناية الله بهم وإرادته
[ ٢ / ٦١١ ]