فصل
وأما معجزة انشقاق القمر فهي - كما قال الخطابي - آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات خارجا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى.
وهذه المعجزة دل عليها القرآن، قال الله - تعالى -: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ والمراد وقوع انشقاقه. ويؤيده قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: (انشق) وقوع انشقاقه، لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، فدل على أن المراد بالآية وقوع انشقاقه في الدنيا، كما دل عليه صريح الأحاديث الآتية.
وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجل نبينا - ﷺ - فإن كفار قريش لما كذبوه، ولم يصدقوه أعطاه الله - تعالى - هذه الآية العظيمة المتضمنة لثلاث حكم:
الأولى: دلالتها على وحدانية الله - تعالى - وأنه المتفرد بالربوبية
[ ٢ / ٤٥٣ ]
والإلهية، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها من دونه باطلة، لا تنفع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده.
وهذا على طريق القرآن من الاستدلال بتفرده - تعالى - بالخلق والتدبير على أنه هو المعبود وحده.
الثانية: دلالتها على نبوة محمد - ﷺ - وصحة رسالته حيث أراهم هذه الآية جوابا لاقتراحهم.
الثالثة: أنها دلت على ما أخبرت به الأنبياء من انشقاق السموات يوم القيامة.
قال بعض الأئمة: وجعل الآية فيه دون الشمس والنجوم، لأنه أقرب إلى الأرض، وكان فيه دون سائر أجزاء الفلك، إذ هو الجسم المستدير الذي فيه الانشقاق، فقبول محله أولى.
وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة - ﵃ - منهم: أنس بن مالك، وعبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، وغيرهم.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ففي الصحيحين من حديث أنس: " «أن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما» ".
وفي الصحيحين - أيضا - من حديث ابن مسعود قال: " «انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله - ﷺ -: اشهدوا» ".
وروى الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم، قال: " «انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس» ".
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وعند أبي داود الطيالسي عن ابن مسعود في حديثه قال: " «فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار "، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار، فأخبروهم بذلك» ".
وبالجملة، فالروايات بهذه الواقعة متعددة، وطرقها متعددة، وعلى وقوعها أجمع علماء الأمة وحفاظها، وتلقاه الخلف عن السلف. قال ابن عبد البر:
" قد روي هذا الحديث - يعني حديث الانشقاق - عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا، وتأيد بالآية الكريمة ".
وقال غيره: إن لهذا الحديث طرقا شتى بحيث لا يمترى في تواتره.
وأما قول النصراني: " إنه من المحال يستفظعه العقل " فجوابه أن العقل الصحيح المؤيد بنور الإيمان بالله، ورسوله، وأن الله على كل شيء قدير، لا يحيل ذلك، ولا يستبعده، فإن الله - تعالى - هو الذي خلق القمر وجميع المخلوقات، وهي في قبضته وتحت تصرفه،
[ ٢ / ٤٥٦ ]
أوجدها من العدم، وسيعيدها إليه، فلا يستبعد أن يخرق العادة فيها معجزة لرسوله، ودلالة على صدقه، كما جعل العصا حية، وأخرج الناقة من صخرة.
واعلم أن شبهة القائلين باستحالة الانشقاق دعواهم أن الأجرام العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام. وكذا قالوه في إنكارهم فتح أبواب السماء لنبينا - ﷺ - ليلة المعراج. وما ذكرناه من عموم قدرة الله - تعالى - على جميع الممكنات دليل على عدم الإحالة.
وبمثل هذا أجاب العلماء، كقول أبي إسحاق الزجاج - وهو من متقدمي العلماء -: أنكر بعض المبتدعة - الموافقين لمخالفي الملة - انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله، يفعل فيه ما يشاء، كما يكون يوم القيامة، ويفنيه. انتهى.
ويكفي في الحجة على النصارى في ذلك رفع عيسى - ﵇ - إلى السماء، فإنهم يعترفون أنه رفع بجسمه فقد حصل برفعه الانخراق والالتئام الذي أنكروه، فبطل قولهم في إحالة الانشقاق، وبقي ثبوته من جهة النقل.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وقد قدمنا أنه بلغ مبلغ التواتر الذي لا يشك فيه، وإن أنكره أهل الكفر والعناد.
وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا لنقل متواترا، واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص به أهل مكة، لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعي متوافرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد. ولو كان لذلك أصل لخلد في كتب السير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه، وإغفاله، مع جلالة شأنه ووضوح أمره.
فأجاب عنه الخطابي وغيره بأن هذه القصة خرجت عن الأمور التي ذكروها، لأنه شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلا، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فسه نياما ومستكنين في الأبنية، والبارز منهم بالصحراء - إن كان يقظانا - يحتمل أنه اتفق أنه كان في ذلك الوقت مشغولا بما يلهيه من سمر وغيره.
ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فيجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر.
وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي يظهر لبعض الآفاق
[ ٢ / ٤٥٨ ]
دون بعض. كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عن قوم كما يجد الكسوف أهل بلد دون أهل بلد آخر.
وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم طوالع عظام، تظهر في الأحيان بالليل في السماء، ولا علم عند أحد منها.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
فصل
وأما ما عدا ما تقدم من معجزاته - ﷺ - ودلائل نبوته فكثيرة جدا، وبسطها يحتمل مجلدات، ولكننا نذكر من عيونها ومشهورها ما هو اللائق بما قصدناه من الاختصار.
فمن ذلك ما أخبر به من المغيبات المستقبلة في القرآن، من ذلك شيء كثير كقوله:
﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ .
وقوله - تعالى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية.
[ ٢ / ٤٦١ ]