فصل
وأما قول النصراني:
" لأنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات ".
فجوابه:
أن معجزات نبيهم - ﷺ - غنية عن غيرها فإنه قد حصل بها قيام الحجة والدلالة على أنه رسول الله، فلا حاجة بعد ذلك إلى ظهور الخوارق على يد أصحابه وأتباعه.
ومع ذلك فقد ظهر على أيديهم من الخوارق والآيات الدالة على أن متبوعهم رسول الله ما لا يحصى.
واعلم أن كثيرا من أهل الكلام لا يسمي معجزا إلا ما كان للأنبياء فقط. وأما ما يجري على يد الولي فيسمونه كرامة.
ونقل عن السلف أنهم كانوا يسمون هذا معجزا، وذكر ذلك عن الإمام أحمد.
ثم ما يجري على يد غير النبي من الخوارق، إن ظهر على يد صالح متبع للسنة قائم على قدم العبودية المرضية فهو المسمى كرامة.
وإن كانت حال من ظهرت له الخوارق بضد ذلك فهو استدراج، وخيال شيطاني، وليس من حال أولياء الله وكرامتهم.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
قال بعض الأئمة:
"اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء، ومشى على الماء لم يغتر به حتى تنظر متابعته لرسول الله - ﷺ - وموافقته لأمره ونهيه".
فأولياء الله المتقون هم المهتدون المقتدون بمحمد - ﷺ - فيفعلون ما أمر، وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم الله - تعالى - بملائكته، وروح منه، ويقذف في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين.
وخيار أولياء الله تكون كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين مثل ما كانت معجزات نبيهم كذلك.
فكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباعهم رسوله، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﷺ.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن الكرامات والخوارق والمعجزات المنقولة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من صلحاء الأمة وعلمائها كثيرة جدا.
مثل ما كان لسفينة مولى رسول الله - ﷺ - حين انكسرت سفينة في البحر هو فيها، فركب لوحا منها، فطرحه في الساحل بأرض فيها أسد، قال: فخرج إلي الأسد يريدني، فقلت:
[ ٢ / ٥٨٠ ]
يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله - ﷺ - فتقدم، ودلني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني، ورجع.
وكان أسيد بن حضير وعباد بن بشر تحدثا عند النبي - ﷺ - في حاجة لهما حتى ذهب بعض الليل.
ثم خرجا من عنده وكانت ليلة شديدة الظلمة وفي يد كل واحد منهما عصا، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، فلما فرق بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، حتى بلغ منزله. والقصة في صحيح البخاري وغيره.
ومن ذلك قصة أبي بكر الصديق - وهي في الصحيحين - لما ذهب
[ ٢ / ٥٨١ ]
بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا أسفلها أكثر منها، فشبعوا، وصارت أكثر مما كانت عليه قبل ذلك.
فنظر إليها أبو بكر وامرأته، فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله - ﷺ - وجاء إليه أقوام كثيرون، فأكلوا منها.
وكان خبيب بن عدي أسيرا عند المشركين بمكة، فكانوا يرون عنده العنب وما على وجه الأرض يومئذ عنب.
وعامر بن فهيرة من شهداء بئر معونة التمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع.
قال عروة: فيرون أن الملائكة رفعته.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر - وكانت صائمة - سمعت حسا على رأسها، فرفعته فإذا دلو برشاء أبيض معلق، فشربت منه حتى رويت، فما عطشت بقية عمرها.
والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله أبر قسمه. فكانت الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، أقسم على ربك، فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم. فيهزم العدو.
فلما كان يوم اليمامة قال: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا.
وخالد بن الوليد حاصر حصنا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم. فشربه فلم يضره.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، ما دعاه قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق.
وعمر بن الخطاب ظهرت له الكرامات الكثيرة.
منها أنه أرسل جيشا، وأمر عليهم رجلا يدعى سارية. فبينما عمر يخطب إذ جعل يصيح وهو على المنبر: " يا سارية، الجبل، يا سارية، الجبل ". فقدم رسول ذلك الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح: يا سارية، الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله.
ودعا سعيد بن زيد على أروى، حين كذبت عليه، فقال: " اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها ". فعميت، ووقعت في حفرة من أرضها، فماتت.
والعلاء بن الحضرمي كان عامل النبي - ﷺ -
[ ٢ / ٥٨٤ ]
على البحرين، وكان يقول في دعائه: " يا عليم ويا حليم يا علي يا عظيم " فيستجاب له.
دعا الله بأن يسقوا فيتوضؤوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم، فأجيب.
ودعا الله لما اعترضهم البحر، ولم يقدروا على المرور، فمروا كلهم هو والعسكر بخيولهم على الماء، ولم تبتل سروج خيولهم.
ودعا الله ألا يروا جسده إذا مات، فلم يوجد جسده في اللحد.
وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي في قوة مدها، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة. فقال: اتبعني، فاتبعه، فوجدها قد تعلقت بشيء، فأخذها.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار، فألقي فيها، فوجدوه قائما يصلي فيها، وقد صارت عليه بردا وسلاما.
وقدم المدينة بعد موت النبي - ﷺ - فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.
ووضعت له جاريته السم في طعامه، فأكله، فلم يضره، وخببت عليه امرأة زوجته، فدعا عليها، فعميت، فجاءت إليه وتابت، فدعا الله، فرد عليها بصرها.
وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه في كمه ألفي درهم، وما يلقاه سائل إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته، فلم يتغير عددها أو وزنها.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
ومر بقافلة وقد حبسهم الأسد، فجاء حتى مس بثيابه فم الأسد، ووضع رجله على عنقه، وقال: إنما أنت كلب من كلب الرحمن، وإني أستحي من الله أن أخاف شيئا غيره. ومرت القافلة.
ودعا الله أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء له بخار. ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان، فلم يقدر عليه.
وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله ألا يروه؛ فلم يروه.
ودعا على بعض الخوارج، وكان يؤذيه؛ فخر ميتا.
وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة، ودعا الله فأحياه له. فلما وصلوا إلى بيته قال لابنه: يا بني، خذ سرج الفرس؛ فإنه عارية، فأخذ سرجه، فمات.
وجاع مرة بالأهواز فدعا الله واستطعمه، فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل، وبقي الثوب عند زوجته زمانا.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع. فولى الأسد وله زئير.
ورجل من النخع كان له حمار، فمات في الطريق، فقال أصحابه: هلم نتوزع متاعك، فقال: أمهلوا هنيئة، ثم توضأ، فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين، ودعا الله، فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه.
ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكعانا لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد من صخرة، فدفنوه فيه، وكفنوه في تلك الأثواب.
وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر، فأظلته غمامة.
وكان السبع يحميه، وهو يرعى ركاب أصحابه؛ لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أن يخدمهم.
وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته. وكان هو وصاحب له يسيران بالليل، فأضاء لهما طرف السوط.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره، فأهوى ليأخذها، فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر.
وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا.
وخرج يمتار لأهله طعاما، فلم يقدر عليه، فمر بسهلة حمراء، فأخذ منها، ثم رجع إلى أهله، ففتحوها، فإذا هي حنطة حمراء.
فكان اذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا.
وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتا حسنا، ودمعا غزيرا، وطعاما من غير تكليف. فكان إذا قرأ بكى، وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله، فيصيب فيه قوته، ولا يدري من أين يأتيه.
وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج، فسأل ربه أن يطلق
[ ٢ / ٥٨٩ ]
له أعضاءه وقت الوضوء، فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه، ثم تعود بعده.
وهذا باب واسع جدا لا يمكن أن يؤتى منه في هذا الموضع بأكثر مما ذكرناه.
وكلها قضايا عامتها مشهورة في كتب الحديث والأثر، وقد سقناها كما ساقها شيخ الإسلام أبو العباس.
ثم قال: " ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، إذا احتاج إليها الضعيف الإيمان، أو المحتاج، آتاه منها ما يقوي إيمانه، ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته.
ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من تجري على يديه الخوارق لهداية الخلق أو لحاجاتهم، فهؤلاء أعظم درجة ".
وهذا بخلاف الأحوال الشيطانيه كأحوال الكهان الذين يكون لأحدهم القرين من الشياطين، يخبره بكثير من المغيبات، مما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما دل على ذلك
[ ٢ / ٥٩٠ ]
الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، وغيره.
وكان للأسود العنسي الذي ادعى النبوة من الشياطين من يخبره ببعض الأمور الغائبة.
فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون أن تخبره الشياطين بما يقولون فيه حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره، فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون، مثل: الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة.
وكانت الشياطين تخرج رجله من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ فيه.
[ ٢ / ٥٩١ ]
وكان يري الناس بجبل قاسيون رجالا ركبانا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة. وإنما كانوا جنا.
ولما أمسكه المساك ليقتلوه، طعنه الطاعن بالرمح، فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله؛ فسم الله. وطعنه، فقتله.
وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها مثل: آية الكرسي.
والمقصود عند ذكر هذه الخوارق التنبيه على الفرق بين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية؛ فإن بينهما فروقا متعددة.
منها: أن كرامات أولياء الله سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية يكون سببها ما نهى الله ورسوله عنه، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ورسوله.
وتجد كثيرا ممن ضعفت بصيرته، وقل علمه بالكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح يكون عمدته في اعتقاده في شخص كونه وليا لله، أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة.
مثل: أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، وأن يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو أن أحدا استغاث به وهو غائب أو ميت
[ ٢ / ٥٩٢ ]