الطريق الثالث:
ما أشرنا إليه فيما تقدم، بما حاصله أن محمدا - ﷺ - قام بهذه الشريعة ناسخا شرائع الأنبياء قبله، مستحلا دماء من خالفه من أهل الكتاب وغيرهم، وأموالهم ونسائهم، قائلا: إن الله أمرني بذلك. ومع ذلك أيده الله - تعالى - بأنواع التأييد، وصدقه بأكمل انواع التصديق، ومكنه في الأرض، وأظهر دينه على كل الأديان، وجعل لأمته من التميكن في الأرض ما لم يكن لغيرهم، فدل ذلك على أنه رسول الله، وأنه إنما فعل ذلك عن أمر الله له بذلك، وإلا لكان ذلك طعنا في الرب - تعالى - حيث زعم أعداؤه أنه سلط جبارا كاذبا عليه، وعلى أوليائه وأتباع رسله، ويمكن له غاية التمكين، ويؤيده أعظم التأييد. فمن آمن بربوبية الله لهذا الخلق، ورأى ما ذكرنا لم يرتب في صدق محمد - ﷺ - وأنه رسول الله، وأن ما أعطاه من النصر والتأييد هو من آيات نبوته، كما كان من آيات الأنبياء إهلاك الله مكذبيهم ونصرة المؤمنين بهم، كإغراق قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.
وقد ذكر الله قصصهم في القرآن في غير موضع، وبين أنها من آيات الأنبياء، كما في سورة الشعراء، يختم كل قصة من تلك القصص بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
[ ٢ / ٦٠٣ ]
ومن ذلك ما جعله من اللعنة التابعة لمن كذبهم، ومن لسان الصدق والثناء والدعاء لهم ولمن آمن بهم، كما قال في قصة نوح: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، وكذلك في قصة إبراهيم، أي: تركنا هذا القول يقوله المتأخرون. وكذلك في قصة موسى وهارون وإلياس.
وقال في قصة فرعون وقومه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ . وقال في عاد: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ .
ولهذا قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
وكل واحد من هذه الطرق التي ذكرناها كاف في الدلالة على صحة الشريعة، وصدق من جاء بها، فكيف وهي كلها متفقة متظاهرة على ذلك، مضافة إلى ما لا يحصى من الأدلة والبراهين التي هي أظهر من شمس الظهيرة لأولي الألباب والبصيرة.
وأما اعتراض النصراني بتمكين من مكن في بعض البلاد من الوثنيين ونحوهم من ملوك الكفار، فهو اعتراض فاسد، فإن أولئك لا يشبهون
[ ٢ / ٦٠٤ ]
المسلمين فيما ذكرناه من قوة التمكين في مثل هذه المدة اليسيرة، ولم يحصل لهم ما حصل لهم، ولا ما قاربه، ولم يدع أحد منهم أن ذلك عن أمر الله له بذلك، ولم يشرع شريعة يحمل الناس عليها مدعيا أنها من عند الله.
فإن سنة الله في المتنبئين الكذبة على الله أن يهتك أستارهم، ويظهر للخلائق عارهم، ويهزم أنصارهم، ويدمر ديارهم. كما جرى لمسيلمة والأسود وطليحة وأضرابهم من الكذبة. فإن الله أظهر لخلقه من الدلالة على صدق رسله - بما جرى لهم وما عرف من أحوالهم وسيرهم الباطلة، وتدمير الله إياهم - ما هو من الحكم الباهرة والمصالح العظيمة، فإن الضد يظهر حسنه الضد.
وكذلك من سبر أحوال ملوك الكفار رأى العبرة في هذا الباب. فإنهم وإن انتصروا على أتباع الرسل - أحيانا - فإن أولئك لا يقول مطاعهم: إنه نبي. ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطالبون منهم أن يتبعوهم على دينهم، بل يصرحون: إنا نصرنا عليكم بذنوبكم، وإنكم لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم.
وأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم، ثم يهلك الظالمين جميعا.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وليس قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت.
فهذا وأمثاله مما يظهر به الفرق، ويبين أن ظهور محمد - ﷺ - وأمته على أهل الكتاب من جنس ظهورهم على عبدة الأوثان، فإن من أهل الكتاب من يقول: سلطتهم علينا بذنوبنا مع صحة ديننا، كبخت نصر.
وهذا قياس فاسد، فإن ذلك من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة. وهذا من جنس خرق العادات التي لم تقترن بدعوى النبوة وما لم يقترن بدعوى النبوة لا يكون دليلا عليها، وقد يغرق في البحر أمم كثيرة فلا يدل على نبوة نبي، بخلاف غرق فرعون وقومه.
وهذا موافق لما أخبر به موسى - ﵇ -: " إن الكذاب لا يتم أمره "، وذلك أن الله حكيم لا يليق به تأييد الكاذب على كذبه، من غير أن يبين كذبه.
ولهذا إن أعظم الفتن (الدجال) لما اقترن بدعواه خوارق كان معها ما يدل على كذبه، كدعوى الإلهية، وهو أعور مكتوب بين عينيه " كافر "، يقرؤه كل مؤمن، والله لا يراه أحد حتى يموت.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وقد ذكر النبي - ﷺ - هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة.
فأما تأييد الكاذب دائما فهذا لم يقع قط، فمن يستدل على ما يفعله الرب - تعالى - بالعادة والسنة، فهذا هو الواقع، ومن يستدل بالحكمة فحكمته تناقض أن يفعل ذلك.
[ ٢ / ٦٠٧ ]