فصل
قال النصراني:
" وأما المسلمون فإنهم يدعون أن في الفصل الرابع عشر من إنجيل يوحنا الذي فيه يوعد بإرسال فرقليط قد كان مسطورا ما وصف به نبيهم، وأن النصارى محوه وبدلوه.
ويا ليت شعري، هذا التعبير وقع فيما بعد ظهور نبيهم أو قبل ظهوره:
أما بعد ظهوره فما أمكن تغييره، إذ وجدت - إذ ذاك - عدة نسخ في جميع آفاق الأرض باللغات المختلفة، وهذه النسخ كلها يوافق بعضها بعضا في ذلك الفصل لا خلاف بينها فيه. وأما قبل ظهوره فلا كان لهم ما يدعوهم إلى التغيير والتبديل؛ إذ لم يمكنهم - بسابق علمهم - أن يعرفوا ما كان محمد مزمعا أن يأتي به ".
الجواب - وبالله نستعين -:
اعلم أن في الفصل المذكور مما هو موجود بأيدي النصارى الآن من الدلالة على نبوة محمد - ﷺ -، والبشارة به ما هو من أوضح الأدلة. كما سنذكره إن شاء الله -تعالى-.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقبل ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في معنى التحريف الذي ذكر الله عن أهل الكتاب، فقيل: إنهم كانوا يحرفون اللفظ بلفظ آخر بدليل قوله -تعالى-: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ .
قال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد -ﷺ-، فحرفوه عن مواضعه. وتقدم قريبا من كلام ابن عباس من رواية البخاري.
وروى ابن جرير عن كنانة العدوي عن عثمان بن عفان «عن رسول الله -ﷺ- في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية.
»
[ ١ / ٢٤٨ ]
«قال: الويل جبل في النار وهو الذي أنزل في اليهود، وهم الذين حرفوا التوراة؛ زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد من التوراة. ولذلك غضب الله عليهم ورفع بعض التوراة، وقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾» .
قال ابن كثير: " وهذا غريب جدا ". وقال السدي: كان أناس من اليهود كتبوا كتابا عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذون به ثمنا قليلا. وكلام السدي هذا يدل على أن ذلك في قوم مخصوصين كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن
[ ١ / ٢٤٩ ]
أنس ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ يحرفونه.
وقيل: إن التحريف الذي ذكر الله عنهم هو تحريف المعنى بإلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وجر اللفظ من معناه الحق إلى الباطل بوجوده من الحيل اللفظية، كما يفعله أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وذلك أن النصوص التي فيها نعت النبي -ﷺ- ليست ظاهرة لكل أحد، بل هي مما يحتاج إلى التفسير والبيان من أهل العلم الذين هم أهل الخبرة بالكتاب ومعانيه.
قال وهب بن منبه: "إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف؛ ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون: هو من عند الله، وما هو من عند الله، وأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول". رواه ابن أبي حاتم.
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال ابن كثير: "إن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل، والتحريف، والزيادة، والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة، ووهم فاحش، وفهم كثير منهم، بل أكثرهم بل جميعهم فاسد، وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه عنده فتلك -كما قال- محفوظة لم يدخلها شيء". انتهى.
قلت: لا يخفى أن كلام وهب لا ينفي وقوع الزيادة فيها، كما لا ينفي التفسير في التراجم باللغات التي نقلت إليها، وإنما يدل على عدم تغيير ألفاظها الأصلية التي بها نزلت. والله أعلم.
إذا عرفت ذلك فلا يلزم من وقوع التغيير في بعض ألفاظ نصوص الإنجيل قبل ظهور نبينا -ﷺ- أن يكون المغير قد علم ما يكون منه؛ إذ يمكن أن يقع ذلك جهلا ممن أبرز هذه الكتب إلى النصارى، فإنه كما علمنا يقينا أنهم زادوا فيها، فلا يستبعد أن يكونوا نقصوا منها، وإن لم يكن ذلك منهم عن تعمد؛ حيث غلب عليهم الجهل والضلال، وعدم التمييز بين الصحيح والكذب، وأما بعد مبعث نبينا -ﷺ- فالتغيير ممكن أيضا؛ حيث إن أمة الضلال قد بنوا دينهم على ما تهوى أنفسهم.
[ ١ / ٢٥١ ]
وكلهم متفقون على الكفر بخاتم الرسل - إلا من هدى الله منهم من خيارهم الذين أسلموا - فيمكن أن يكونوا غيروا نعت محمد - ﷺ -، لا سيما وكتابهم ليس انتشاره كانتشار القرآن حتى يستحيل الاتفاق على تغييره، فيحتمل أن يكون في تلك الأعصار عند جماعة محصورين؛ فيمكن اتفاقهم على الكذب والتبديل.
ثم إن فيما بأيديهم من نعوته - ﷺ -، ونعوت أمته مما يذكر بعضه - إن شاء الله - ما يكفي حجة على المعاند فإنها أدلة قاطعة لا محيد عنها.
وقد قال الله -تعالى- في كتابه الذي أنزله على هذا النبي الكريم: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ولا ريب أنه لو لم يكن مكتوبا عندهم لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبوله قوله؛ لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب
[ ١ / ٢٥٢ ]
نقصان حاله، وينفر الناس عن مقاله، فلما قال لهم -﵇- هذا دل على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والإنجيل، وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.
ولكن أهل الكتاب كما قال الله -تعالى-: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وإلا فهم - قاتلهم الله - قد عرفوا محمدا -ﷺ- كما يعرفون أبناءهم، ووجدوه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، لكنهم حرفوها وبدلوها، ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
قال شيخ الإسلام أبو العباس: وقد ناظرنا غير واحد من أهل الكتاب، وبينا لهم تلك الدلائل، فأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم، ويبينون لهم ما عندهم من الدلائل على نبوة محمد -ﷺ- وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية؛ إذ هم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد - ﷺ -، وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يبين أن محمدا -ﷺ- جاء بالدين الذي بعث الله به الرسل قبله.
[ ١ / ٢٥٣ ]