وقد ذكر الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن القيم طرفا من شرح هذه الجملة، وأن دين المسيح تناسخ واضمحل. قال:
ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوا في النصرانية.
فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى الصور التي لا أصل لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل، إلى القول باتحاد الآب والابن وروح القدس.
هذا ومعهم بقايا من دين المسيح كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم بنص الإنجيل، ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة.
[ ١ / ١٥٦ ]
وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس، فصلوا هم إلى المشرق، ولم يعظم المسيح صليبا قط، فعظموا هم الصليب وعبدوه، ولم يصم المسيح صومهم هذا أبدا، ولا شرعه، ولا أمر به ألبتة.
[ ١ / ١٥٧ ]
بل هم وضعوه على العدد ونقلوه إلى زمن الربيع، فجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية، وتعبدوا بالنجاسات.
وكان المسيح في غاية الطهارة والطيب والنظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود ومراغمتهم، فغيروا دين المسيح، وتقربوا إلى الفلاسفة عباد الأصنام بأن وافقوهم في بعض الأمر، ليرضوهم به، وليستنصروا بذلك على اليهود.
ولما أخذ دين المسيح في التغير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع تزيد على ثمانين مجمعا. ثم تفرقوا على الاختلاف والتلاعن يلعن بعضهم بعضا، حتى قال فيهم بعض العقلاء: لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون في حقيقة ما هم عليه لتفرقوا عن أحد عشر مذهبا.
حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار.
[ ١ / ١٥٨ ]
فجمع كل بترك وأسقف وعالم، فاختار منهم ثلاثمائة وثمانية عشر. فقال: أنتم اليوم علماء النصرانية وأكابر النصارى، فاتفقوا على أمر تجتمع عليه كلمة النصرانية، ومن خالفه لعنتموه، وحرمتموه.
فقاموا وقعدوا وفكروا وقدروا، واتفقوا على وضع الأمانة التي بأيديهم اليوم، وذلك سنة خمس عشرة من ملك قسطنطين.
وكان سبب ذلك أن بطريق الإسكندرية منع أريوس من دخول الكنيسة ولعنه. فخرج أريوس إلى قسطنطين الملك مستعديا عليه ومعه أسقفان، فشكوه إليه، وطلبوا منه مناظرته بين يدي الملك. فاستحضر الملك، وقال لأريوس: اشرح مقالتك.
[ ١ / ١٥٩ ]
فقال أريوس: أقر أن الآب كان إذ لم يكن الابن، فكان له إلا أنه محدث مخلوق، ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى كلمة. فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، كما قال في إنجيله إذ يقول: (وهب لي سلطانا على السماء والأرض) فكان هو الخالق لهما بما أعطي من ذلك. ثم إن تلك الكلمة بعد اتحدت من مريم العذراء ومن روح القدس، فصار ذلك مسيحا واحدا. فالمسيح إذن معنيان: كلمة وجسد، إلا أنهما جميعا مخلوقان.
فقال بطريق الإسكندرية: خبرنا أيما أوجب علينا عندك: عبادة من خلقنا، أو عبادة من لم يخلقنا؟.
فقال أريوس: بل عبادة من خلقنا.
فقال: فعبادة الابن الذي خلقنا وهو مخلوق أوجب من عبادة الآب الذي هو ليس بمخلوق، بل تصير عبادة الآب الخالق كفرا، وعبادة الابن إيمانا.
فاستحسن الملك والحاضرون مقالته، وأمرهم الملك أن يلعنوا أريوس ومن يقول بمقالته.
[ ١ / ١٦٠ ]