والنوم، فلم تزل العلماء والحكماء والعرب تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما، لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره وغلبة الشهوة، وسبب لمضار في الدنيا والدين. وقلته دليل على القناعة وملك النفس، وقمع الشهوة سبب لحفظ الصحة، وصفاء الخاطر وحدة الذهن.
كما أن كثرة النوم دليل على الضعف، وقلة الذكاء والفطنة، سبب للكسل والعجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب وغفلته وموته.
وكان نبينا -ﷺ - قد أخذ من هذين الفنين بالأقل.
هذا ما لا يدفع من سيرته وهو الذي أمر به، وحض عليه، وعلى ذلك كان أصحابه - ﵃ - والصدر الأول من أمته.
ولهذا قال العلماء: " إن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد وصف النبي -ﷺ- الخلف بعد القرون الفاضلة من أمته بأنه يظهر فيهم السمن ".
[ ١ / ٣١٣ ]
وروى الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وصححه الحاكم، من حديث المقدام بن معد يكرب أن رسول الله -ﷺ- قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه. فإن كان فاعلا لا محالة: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» . وقال الترمذي: " حديث حسن ".
قال القرطبي: " لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة ".
[ ١ / ٣١٤ ]
وروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: «إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة» .
وعن أبي هريرة -﵁- قال: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض» . رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وعن عائشة - ﵂ - قالت: «كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء. إلا أن نؤتى باللحيم» .
أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي رواية: «ما شبع آل محمد من خبز البر ثلاثا حتى مضى لسبيله» .
[ ١ / ٣١٥ ]
وفي أخرى: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم واحد إلا إحداهما تمر» .
وعن النعمان بن بشير -﵄- قال: «ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا، قال: لقد رأيت رسول الله -ﷺ- يظل اليوم يلتوي من الجوع، ما يجد من الدقل ما يملاء بطنه» . أخرجه مسلم.
وعن أنس -﵁- قال: «مشيت إلى رسول الله -ﷺ- بخبز شعير وإهالة سنخة. ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر، ولا صاع حب، وإن عنده يومئذ»
[ ١ / ٣١٦ ]
«لتسع نسوة» أخرجه البخاري والنسائي والترمذي.
وفي الصحيحين عن عروة عن عائشة قالت: «إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقدت في أبيات رسول الله -ﷺ- نار. قال: فقلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» .
وقال أنس - خادمه -: «ما أعلم أن رسول الله -ﷺ- رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتى لحق بالله» . رواه البخاري.
وعن عائشة - أم المؤمنين - قالت: «توفي رسول الله -ﷺ- وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف»
[ ١ / ٣١٧ ]
«لي فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني» . رواه البخاري ومسلم.
ولهما أيضا عنها، قالت: «توفي رسول الله -ﷺ- ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير» .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا، وهي تدل دلالة واضحة على تقلله -ﷺ- من تناول الطعام سوى ما تدعو إليه ضرورة البشرية.
وكذلك نومه -ﷺ - كان قليلا، شهدت بذلك الآثار الصحيحة.
[ ١ / ٣١٨ ]
وكان -ﷺ- ينام أول الليل، ويستيقظ في أول النصف الثاني، فيقوم ويتوضأ.
ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه تشريعا للأمة، ليقتدوا به، ولا يكلفوا من العمل ما لا يطيقونه، أو يشق عليهم مشقة تحملهم على السآمة من العمل.
وكان يحب من العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل، وعلى ذلك حث أمته.
وكان ينهاهم عن التشديد على أنفسهم.
وفي السنن والمساند عنه -ﷺ- أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» .
وكان يقول: «يسروا ولا تعسروا» .
وعنه -ﷺ- أنه قال: «إنكم أمة أريد بكم»
[ ١ / ٣١٩ ]
«اليسر» . أخرجه الإمام أحمد. وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
«وقد أنكر النبي -ﷺ- على من عزم على التبتل، والاختصاء، وقيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن كل ليلة، كعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون، والمقداد وغيرهم.
وقال: لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني» .
وأما لباسه -ﷺ- فهو كما قال القاضي عياض: "كان قد اقتصر منه ما تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه. فكان يلبس ما وجد، فيلبس في غالب أحواله الشملة
[ ١ / ٣٢٠ ]
والكساء والأردية والإزار، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر.
إذ المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، بل هي من سمات النساء.
والمحمود منها نقاوة الثوب، والمتوسط في جنسه، وكون لبس مثله غير مسقط لمروءة جنسه". انتهى.
وكان -ﷺ- ينام على الفراش تارة، وعلى النطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة.
وفي الصحيحين: «أنه كان فراشه أدما حشوه ليف» .
وفي الصحيح: «أن عمر بن الخطاب -﵁- دخل»
[ ١ / ٣٢١ ]
«على رسول الله -ﷺ- في تلك المشربة، فرآه متوسدا مضطجعا على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ واهية معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء. فقال له رسول الله -ﷺ-: ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه!. فقال: أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» .
فكان -ﷺ- أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئا لغد.
وخرج الترمذي وصححه عن ابن مسعود -﵁- قال: «دخلت على رسول الله -ﷺ- وقد نام على رمال حصير وقد أثر في جنبه، فقلت: يا رسول الله: لو اتخذنا لك وطاء»
[ ١ / ٣٢٢ ]
«تجعله بينك وبين الحصير يقيك منه؟ فقال ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» .
«ولما بنى -ﷺ- مسجده ومساكن أزواجه، قالوا: ألا تسقفه؟ فقال: عريشا كعريش موسى خشبات، تمام الأمر أعجل من ذلك» .
فكان حاله -ﷺ- في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا، ولا يلتفت إلى فضولها.
وحسبك من تقلله منها وإعراضه عن زهرتها وقد سيقت إليه بحذافيرها وترادفت عليه فتوحها أن «توفي -ﷺ- ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله» كما تقدم الحديث بذلك، وتقدم -أيضا- قول عائشة - ﵂ -: «لقد توفي رسول الله -ﷺ- وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي» . وقالت أيضا: «ما ترك رسول الله -ﷺ- دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا» .
[ ١ / ٣٢٣ ]