فصل
قال النصراني:
" ولنقيس أيضا أفعال كل منهما، فإن يشوع قد أبرأ الأكمه والأبرص، وأنهض المقعدين، وأحيا الموتى، وأما محمد فهو لم يأت بالمعجزات، بل بالسيف، ولكن نقلت عنه المعجزات - أيضا - ولكنها أي معجزات، وإنما كانت إما مما أمكن فعله بحيلة مما تقوم به القوة البشرية، أو مما لم يكن عليه شهود، أو من المحال، يستفظعه العقل، مثل: ما حكي عن انشقاق القمر، وهي كلها على حالة لا يعتمد عليها.
وإذ قد أشكل الأمر فالواجب أن يفزع إلى الشريعة التي شهاداتها المدلة على أنها مرضاة لله أقوى في باب اليقين ".
الجواب - وبالله نستعين -:
ليس الأمر مشكلا، بل هو بحمد الله واضح جلي، ودلائل نبوة محمد - ﷺ - ومعجزاته، وشواهد رسالته أظهر من كل دلالة وأوضح من كل معجزة، وأكثر من كل شاهد اقترن برسالة غيره من المرسلين.
[ ٢ / ٤١٩ ]
فقول النصراني: " إنه لم يأت بالمعجزات " جحد عناد اقتضاه الكفر واتباع الهوى، وإلا فقد علموا أنه - ﷺ - أتى بالمعجزات، والأدلة القاطعات التي لا عذر لأحد في الإعراض بعدها، هذا ما يجدونه مكتوبا عندهم من صفته في التوراة، والإنجيل ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
ثم هذا النصراني حين أنكر الحق والرسالة بقي في الحيرة والضلالة، وزعم أن الأمر مشكل، فصار منتهى قصده، ونهاية رشده أن وقف حيران في ظلمة الإشكال، وسقط في هوة الجهالة والضلال. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
وأهل الأرض كلهم في ظلمات الجهل والغي إلا من أشرق عليه نور النبوة، كما في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال:.
" «إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور شيء اهتدى، ومن أخطأه ضل» ".
[ ٢ / ٤٢٠ ]
فلهذا أقول: جف القلم على علم الله. ولذلك بعث الله رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فمن أجابهم خرج إلى الفضاء والنور، ومن لم يجبهم بقي في الضيق والظلمة التي خلق فيها، وهي: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة الغفلة عن نفسه وكمالها وما تسعد به في معاشها ومعادها، فهذه كلها ظلمات خلق فيها العبد، فبعث الله رسله لإخراجه منها إلى نور العلم، والمعرفة، والإيمان، والهدى الذي لا سعادة للنفس - ألبتة - إلا به.
فمن أخطأه هذا النور أخطأه حظه، وكماله، وسعادته، وصار يتقلب في ظلمات بعضها فوق بعض: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .
واعلم أن الله - تعالى - أيد الأنبياء بالمعجزات دلالة على صدقهم في دعوى الرسالة، فيجب تصديقهم في جميع ما جاؤوا به، لأن المعجزة مع التحدي من النبي قائم مقام قول الله - تعالى -: صدق عبدي فأطيعوه، واتبعوه، وشاهد على صدقه فيما يقوله.
ولما كان كلامنا مع من يثبت معجزات الأنبياء، وأنها تدل على صدقهم اكتفينا بهذه الإشارة في هذا المقام.
[ ٢ / ٤٢١ ]
وليست أدلة الرسالة منحصرة في المعجزة، بل لها أدلة كثيرة، يعرف بها صدق الرسول غير المعجزات، كما سيأتي إيضاحه، إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المعجزة على قسمين:
قسم هو من نوع قدرة البشر، فعجزوا عنه، فتعجيزهم عنه فعل الله دال على صدق نبيه، كصرفهم عن تمني الموت، وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على قول من قال بالصرفة، وهو قول مرجوح - كما سيأتي - أن القرآن في نفسه معجز لا يستطيعه البشر.
وقسم هو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله، كإحياء الموتى، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وكلام شجرة ونبع الماء من بين الأصابع، وانشقاق القمر مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله تعالى.
وكانت معجزات نبينا - ﷺ - ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا، سوى ما اقترن بهما من أدلة أخر.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وبالجملة، فمعجزاته وأدلة رسالته لا يحيط بها ضبط، فإن القرآن - وهو معجزة من معجزاته - قد احتوى من الإعجاز على ما لا يحصى كثرة، حتى بلغها العلماء إلى ألوف كثيرة.
قالوا: وأقصر السور: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات، وقد فصلوا ذلك وبينوه.
[ ٢ / ٤٢٣ ]