ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته، وأخباره في ذلك معروفة.
وقد كان يبهت، ويفرق لرؤيته من لم يره، كما «روي عن قيلة أنها لما رأته أرعدت من الفرق، فقال: يا مسكينة، عليك السكينة» .
وفي حديث ابن مسعود: «أن رجلا قام بين يديه فأرعد، فقال -ﷺ-: هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» .
وأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وأنافة رتبته بالاصطفاء والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم ". انتهى.
[ ١ / ٣٣١ ]
وكان -ﷺ- على ما أعطاه الله من الجاه العريض، ونفوذ الكلمة، وعلو المنصب، ورفعة الرتبة في غاية التواضع لربه -تعالى-.
وكن ينهى أصحابه أن يقوموا له، ويقول: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا» .
وقال -ﷺ-: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس.
وعن عائشة والحسن وأبي سعيد وغيرهم في صفة النبي -ﷺ- وبعضهم يزيد على بعض:
[ ١ / ٣٣٢ ]
" «كان في بيته في مهنة أهله: يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلف ناضحه، ويقم البيت، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم، ويحمل بضاعته من السوق» ".
وستأتي الإشارة إلى حمله واحتماله، وعفوه بعد القدرة - فيما بعد إن شاء الله -.
القسم الثالث:
وهو ما تختلف الحال في التمدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله.
ككثرة المال: فمتى كان صاحبه منفقا له في مهماته، مشتريا به المعالي والثناء الحسن والمنزلة في القلوب، كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا.
وإذا صرفه في وجوه البر وقصد به وجه الله والدار الآخرة كان فضيلة عند الكل.
ومتى كان صاحبه ممسكا له عاد كثره كالعدم، وكان منقصة في صاحبه، يشبه خازن المال ولا مال له.
[ ١ / ٣٣٣ ]