- ﷺ -، كما قال -تعالى- في خطابه له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس وغيره: أي على دين عظيم، وسمى الدين خلقا، لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة، وإرادة زاكية، وأعمال ظاهرة وباطنة، موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات، فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها.
وهذه كانت أخلاقه -ﷺ- المقتبسة من القرآن، وهذا من أعظم آيات نبوته، وأدلة رسالته.
«ولما سئلت عائشة أم المؤمنين - ﵂ - عن خلق رسول الله -ﷺ- قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» .
فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلا وتبيينا، علومه علوم القرآن، وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن، ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره.
[ ١ / ٣٠٨ ]
فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها: «كان خلقه القرآن» . وفهم السائل عنها هذا المعنى، فاكتفى به، واشتفى.
فهو -ﷺ- في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين.
وقد خرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن رسول لله -ﷺ- قال: «بعثت لأتمم صالح الأخلاق» .
واعلم أن خصال الفضل والكمال في البشر نوعان، كما قال بعض العلماء:
أحدهما: ضروري دنيوي، اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا.
والثاني: مكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله زلفى.
ثم هي على قسمين:
منها ما يتخلص لأحد الوصفين.
ومنها ما يتداخل ويتمازج.
فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب ككمال الخلقة، وجمال الصورة، وقوة العقل، وصحة الفهم، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس والأعضاء، واعتدال الحركات، وشرف النسب، وعزة العشيرة، وكرم الأرض.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ويلحق بذلك ما تدعو ضرورة الحياة إليه من غذائه، ونومه، وملبسه، وسكنه، ومنكحه، وماله، وجاهه.
وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى، ومعونة البدن على طريقها، وكانت على قوانين الشريعة.
وأما الخصال المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية من الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب والمعاشرة، ونحوها من الخصال التي جماعها حسن الخلق.
وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة، ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة.
وإذا نظرت في جميع هذه الخصال بنوعيها وجدت نبينا محمدا -ﷺ- حائزا لجميعها محيطا بشتات محاسنها من غير خلاف بين نقلة الأخبار بل قد بلغ مبلغ القطع من طرق التواتر الذي لا يمكن القدح فيه.
كما نقلت -أيضا- معجزاته -ﷺ- النقل المتواتر الذي هو الطريق الذي علمت به نبوة موسى وعيسى ومعجزاتهما، وما كان من أخبارهما.
فالذي عند المسلمين من العلم بنبيهم -ﷺ-،
[ ١ / ٣١٠ ]
وشمائله ومعجزاته وسيرته قد حصل عندهم من طريق القطع، فلا يمكن المعارض أن يقدح في ذلك إلا بالقدح في جميع ما جاء عن الأنبياء ﵈.
وأما ما فضله الله به من الفضائل التي لا تنال بالاكتساب، ولا تحصل إلا بتخصص منزل الكتاب من فضيلة ختم الأنبياء، ومن الخلة، والمحبة، والاصطفاء، والإسراء، والرؤية، والقرب، والدنو، والوحي والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والأمانة، والهداية، وكونه رحمة للعالمين، وإعطاء الرضى والسؤال والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله والملائكة، والحكم بين الناس بما أراده الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم
إلى ما لا يحويه كتاب، ولا يحيط به إلا مانحه ذلك ومفضله به - لا إله غيره -، إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة ودرجات القدس ومراتب السعادة والحسنى والزيادة.
فكل ذلك إنما علمناه من طريقه، حيث بلغه عن الله مخبرا ومؤديا لأمانته لا مفتخرا.
[ ١ / ٣١١ ]
وطريق إثباته أدلة الرسالة وأعلام النبوة، إذ هو من علم الغيب الذي لا يعلم إلا من طريق الوحي على ألسنة الرسل.
ولولا خوف الإطالة لذكرنا من تفاصيل ما أجملناه من أخلاقه الزاكية ما تنشرح به صدور أهل الإيمان، وترغم به أنوف عبدة الصلبان.
ولكنا قد بنينا هذا الكتاب على الاختصار، وقصدنا به تحصيل المراد من غير إكثار، فمن أراد التفصيل لهذه الخصال السنية فعليه بمظانها من كتب الشمائل والسير النبوية.
ولكنا نذكر من ذلك ما يختص وما تدعو ضرورة الحياة إليه مما يقال: إنه من باب اللذات البدنية، ليتبين أنه -ﷺ- في هذا الباب - كما هو في غيره - على وفق الكمال البشري المرضي من جميع الوجوه.
فاعلم أن الذي تدعو ضرورة الحياة إليه مما أشرنا إليه قبل ثلاثة أقسام:
قسم الفضل في قلته.
وقسم الفضل في كثرته.
وقسم تختلف الأحوال فيه.
فاما ما المدح والكمال في قلته اتفاقا عادة وشريعة، كالغذاء،
[ ١ / ٣١٢ ]