قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ .
وأبطل فيهما قولهم بعدة من الأدلة:
الأول: التنبيه على أن المسيح -﵇- رسول الله من جنس الرسل الذين خلوا من قبل، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، فإن الذي أبرأ الأكمة والأبرص، وأحيا الموتى على يده هو الذي هو الذي أحيا العصا، وجعلها حية تسعى، وفلق البحر على يد موسى، إلى غير ذلك من آياته، وهو الذي أخرج الناقة لصالح من صخرة صماء.
والذي خلق المسيح من غير ذكر هو الذي خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، فكما لم يكن إتيانهم بالآيات دالا على آلهتهم فكذلك عيسى.
الثاني: أن من له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقا، والمخلوق لا يكون إلها.
الثالث: أنهما كانا محتاجين، لأنهما كانا يحتاجان إلى الطعام والشراب أشد الحاجة. والإله هو الذي يكون غنيا عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون المسيح إلها مع حاجته؟.
الرابع: قال بعض العلماء إن قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ كناية عن الحدث، لأن من أكل الطعام فلا بد أن يحدث، فهذا أبلغ في إبطال إلهيته.
[ ١ / ٣٦٩ ]
الخامس: أن الإله لا بد أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد، فلو كان المسيح إلها لقدر على دفع الجوع عن نفسه بغير الطعام، فلما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين؟.
ولما كانت هذه الحجج في غاية الجلاء ونهاية الظهور قال -تعالى-: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾، أي: نظهرها ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون وبأي شيء يتمسكون؟.
السادس: أن اليهود كانوا يعادون المسيح، ويقصدونه بالسوء، فما قدر على الإضرار بهم، وكان أنصاره يحتاجون إلى النفع، فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم، والعاجز عن الضر والنفع كيف يجوز أن يكون إلها؟.
ولهذا قال -تعالى-: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ .
السابع: أن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه، ومزقوا أضلاعه إلى غير ذلك من زعمهم. ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها؟ !.
الثامن: إن إله العالم يجب أن يكون غنيا عن كل ما سواه، وكل ما
[ ١ / ٣٧٠ ]
سواه يكون محتاجا إليه، فلو كان إلها لامتنع أن يكون مشغولا بعبادة الله، لأن الإله لا يعبد شيئا، إنما العبد هو الذي يعبد الإله.
فلما عرف بالتواتر كون عيسى مواظبا على الطاعات والعبادات، دل على أنه إنما كان يفعلها لكونه محتاجا إلى تحصيل المنافع ودفع المضار، وإذا كان كذلك كان عبدا كسائر العبيد.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، أي: فلم عدلتم عن السميع لأقوال العباد العليم بكل شيء إلى عبادة عبد من العباد لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا؟ !.
وقد كان المسيح -﵇- لم يسمع أقوال الذين تمالؤوا عليه، ولم يعلم بهم حتى وصلوا إليه فكيف تجعلونه إلها مع الله - تعالى الله عما يشركون؟ -.
ومن ذلك ما تضمنه صدر سورة آل عمران فإنه كان سبب نزوله في وفد نجران النصارى حين قدموا على رسول الله -ﷺ-، فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله -تعالى- صدر السورة إلى آية المباهلة
[ ١ / ٣٧١ ]
ردا عليهم، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيره، فنذكر طرفا من قصتهم، ثم نتبعه ببعض ما تضمنه صدر السورة من الحجة -إن شاء الله تعالى-.
قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره:
وقدم على رسول الله -ﷺ- وفد نصارى نجران ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، في الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة - أحد بني بكر بن وائل -، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم.
وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم، حتى حسن عمله في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه، ومولوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا له الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما وجهوا إلى رسول الله -ﷺ- من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له موجها، وإلى جنبه أخ
[ ١ / ٣٧٢ ]
له - يقال له: كوز بن علقمة -، فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد - يريد رسوا الله - ﷺ -، فقال أبو حارثة: بل أنت تعست. قال: ولم يا أخي؟ قال: والله، إنه للنبي الذي كنا ننتظر.
فقال له كوز: وما منعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا، ومولونا، وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا عوامنا كما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني.
قال: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدموا على رسول الله -ﷺ- المدينة، فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جبب وأردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب.
قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي -ﷺ- يومئذ ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله -ﷺ- يصلون، فقال رسول الله -ﷺ-: " دعوهم "، فصلوا إلى المشرق.
[ ١ / ٣٧٣ ]
قال ابن إسحاق: وكان من دين النصرانية على دين الملك مع الاختلاف من أمرهم: يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، وكذلك قول النصرانية. فهم يحتجون في قولهم: هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا، وذلك كله بأمر الله - ﵎ -، وليجعله آية للناس.
ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله بأنهم يقولون: إنه لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد، وهذا شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.
ويحتجون في قولهم: إنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا وقضينا، فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت. ولكنه هو عيسى ومريم. ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن.
«فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله -ﷺ-: أسلما، قالا: قد أسلمنا. قال: إنكما لم تسلما، فأسلما، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله -ﷺ- عنهما، فلم يجبهما. فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها» .
[ ١ / ٣٧٤ ]
ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها، إلى أن قال:
«فلما أتى رسول الله -ﷺ- الخبر من الله - ﷿ -، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك. فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه.
ثم انصرفوا عنه، وخلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: والله - يا معشر النصارى -، لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط، فنما كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم. فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فواعدوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم.
فأتوا رسول الله -ﷺ- فقالوا يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا. ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا.
قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله -ﷺ-: ائتوني العشية، أبعث معكم القوي الأمين.
»
[ ١ / ٣٧٥ ]
«قال: فكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى بنا رسول الله -ﷺ- الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له، ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، فقال: اخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة» .
وقد رويت هذه القصة بالأسانيد من وجوه أخر بأطول من هذا السياق، أضربنا عن ذكرها خوف الإطالة.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن حذيفة -﵁- قال: «جاء العاقب والسيد - صاحبا نجران - إلى رسول الله -ﷺ- يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله، إن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا»
[ ١ / ٣٧٦ ]
«من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله -ﷺ-: هذا أمين هذه الأمة» .
وعن ابن عباس -﵄- قال: لو خرج الذين يباهلون رسول الله -ﷺ- لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا. رواه أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه.
رجعنا إلى ما وعدنا من التنبيه على بعض ما في صدر سورة آل عمران من الحجة على بطلان قول النصارى، وما في ضمنه من تقرير نبوة محمد -ﷺ - مما استنبطه العلماء من بعض أسرار هذه الآيات وما فيها من العلم.
وبسط الكلام على المواضع الدالة يستدعي طولا، فلنقتصر على بعض ما في فاتحة السورة وخاتمة القصة.
[ ١ / ٣٧٧ ]