فصل
وقد أقام الله -تعالى- أنواع الأدلة والبراهين على بطلان دعوى هؤلاء الجهلة الضلال واعتقادهم في المسيح، وبين ذلك في كتابه العزيز في مواضع كثيرة بطرق عقلية، وحجج واضحة جلية، فنذكر منها أنموذجا يدل على ما وراءه.
فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
فاشتملت هاتان الآيتان على الرد عليهم دعواهم الولد له، ونزه نفسه عنه، فقال: سُبْحَانَهُ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك، ثم ذكر عدة حجج على استحالة اتخاذه الولد:
إحداها:
كون ما في السماوات والأرض ملكا له، وهذا ينافي أن يكون فيهما ولد له، لأن الولد بعض الوالد وشريكه، فلا يكون مخلوقا له مملوكا، لأن المملوك مربوب عبد من العبيد، والابن نظير الأب، فكيف يكون عبده ومخلوقه ومملوكه بعضه ونظيره؟ فهذا من أبطل الباطل.
وأكد مضمون هذه الحجة بقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، فهذا تقرير
[ ١ / ٣٦١ ]
لعبوديتهم له، وأنهم مملوكين مربوبون، ليس فيهم شريك ولا نظير ولا ولد، فإثبات الولد له من أعظم الإشراك به.
فإن المشرك به جعل له شريكا من مخلوقاته مع اعترافه بأنه مملوكه، كما كان المشركون من العرب يقولون في تلبيتهم: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ". فكانوا يجعلون ما أشركوا به مملوكا له عبدا مخلوقا.
والنصارى جعلوا له شريكا هو نظير وجزء من أجزائه، كما جعل بعض المشركين الملائكة بناته، فقال -تعالى-: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، فإذا كان له ما في السماوات وما في الأرض وهم عبيده قانتون مملوكون استحال أن يكون له منهم شريكا.
وكل من أقر بأن لله ما في السماوات وما في الأرض يلزمه أن يقر بالتوحيد ولا بد.
الحجة الثانية:
قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهذه من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه، ولهذا قال في سورة الأنعام: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾
[ ١ / ٣٦٢ ]
أي: من أين يكون لبديع السماوات والأرض ولد؟ !
ووجه هذه الحجة أن من اخترع السماوات والأرض مع عظمهما وآياتهما وفطرهما وابتداعهما، فهو قادر على اختراع ما هو دونهما ولا نسبة له إليهما البتة.
فكيف يخرجون هذا الشخص عن قدرته وإبداعه، ويجعلونه نظيرا وشريكا وجزءا من الله بديع العالم العلوي والسفلي فاطره ومخترعه وباريه!!، فكيف يعجزه أن يوجد هذا الشخص من غير أب حتى يقولوا: إنه ولده؟
فمن نسب الولد لله فما عرف الرب ولا آمن به ولا عبده.
فظهر أن هذه الحجة من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه. وبهذا الوجه قرر الاستدلال بهذه الحجة غير واحد من المفسرين، قال ابن القيم:
وإن شئت تقرير الاستدلال بوجه آخر، وهو أن يقال: إذا كان نسبة السماوات والأرض وما فيهما إليه إنما هي بالاختراع والخلق والإبداع، أنشأ ذلك وأبدعه من العدم إلى الوجود. فكيف يصح نسبة شيء من ذلك إليه بالنبوة، وقدرته على اختراع العالم وما فيه لم يزل، ولم يحتج فيه إلى معاون ولا صاحب ولا شريك؟ !
[ ١ / ٣٦٣ ]
وإن شئت أن تقريرها بوجه آخر، فتقول: النسبة إليه بالنبوة مستلزمة حاجته وفقره إلى محل الولادة، وذلك ينافي غناه وإفراده بإبداع السماوات والأرض.
وقد أشار -تعالى- إلى هذا المعنى بقوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ .
فكمال قدرته وكمال غناه وكمال ربوبيته يحيل نسبة الولد إليه، ونسبته إليه يقدح في كمال ربوبيته، وكمال غناه، وكمال قدرته.
ولهذا كان نسبة الولد إليه مسبة له -﵎- كما في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ-، قال: «قال الله -تعالى-: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدا، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا» . أخرجه في الصحيحين، واللفظ للبخاري.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وقال عمر بن الخطاب في النصارى: " أذلوهم، ولا تظلموهم؛ فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياه أحد من البشر ".
وقال -تعالى-: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .
وأخبر -تعالى- أن السماوات كادت تنفطر من قولهم، وتنشق الأرض منه، وتخر الجبال هدا، وما ذاك إلا لتضمنه شتم الرب -تعالى- والتنقص به، ونسبة ما يمنع كمال ربوبيته وقدرته وغناه إليه.
الحجة الثالثة:
قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وتفسير هذه الحجة: أن من كانت قدرته كافية في الإيجاد بمجرد أمره وقوله: " كن " فأي حاجة به إلى وهو لا يتكثر به من قلة، ولا يتعزز به من ذلة، ولا يستعين به من عجز، وإنما يحتاج إلى الولد من لا يخلق، ولا إذا أراد شيئا يقول له: كن فيكون، وهو المخلوق العاجز المحتاج الذي لا يقدر على تكوين ما أراد.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
[ ١ / ٣٦٥ ]
ففي هذه الآية أربع حجج تدل على استحالة نسبة الولد إليه، ومنافاتها كماله المقدس.
الحجة الأولى:
ما تضمنه قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وتقدم تقريرها قريبا.
الثانية:
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾، والمعنى أنه يلزم من نسبة الولد إليه نسبة الصاحبة إليه -أيضا-، وهو محال؛ فنسبة الولد كذلك.
ووجه التلازم ظاهر؛ لأن الولد إنما يتولد من أصلين: فاعل، ومحل قابل، يتصلان اتصالا خاصا، فينفصل عن أحدهما جزء في الآخر يكون منه الولد. والله -تعالى- ليس له صاحبة، فكيف يكون له ولد؟
قال ابن القيم: ولذلك لما فهم عوام النصارى أن الابن يستلزم الصاحبة لم يستنكفوا من دعوى كون مريم إلها، وأنها والدة الإله عيسى، فيقول عوامهم: يا والدة الإله، اغفري لي، ويصرح بعضهم بأنها زوجة الرب. ولا ريب أن القول بالإيلاد يستلزم ذلك إثبات إيلاد لا يعقل، ولا يتوهم محال.
فخواص النصارى في حيرة وضلال، وعوامهم لا يستنكفون أن يقولوا بالزوجة والإيلاد، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
[ ١ / ٣٦٦ ]
والقوم في هذا المذهب الخبيث أضل خلق الله، فهم كما وصفهم الله بأنهم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل.
وقال غيره: إن النصارى يقولون: إن الآب ولدت منه الكلمة، ومريم ولد منها الناسوت، فاتحد الناسوت باللاهوت، فكان المسيح.
فالمسيح عندهم إله تام، وإنسان تام، فلاهوته من الله وناسوته من مريم، فهو من أصلين لاهوت وناسوت، فإذا كان أحد الأصلين أباه، والآخر أمه؛ فلم لا تكون أمه زوجة أبيه؟، وإذا اتحد اللاهوت بناسوت المسيح مدة طويلة فلماذا يمتنع أن يجتمع اللاهوت بناسوت مريم مدة قصيرة؟، وإذا جعل الناسوت الذي ولدته ابنا للاهوت فلأي شيء لا تجعل صاحبة وزوجة للاهوت!.
تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا.
الحجة الثالثة:
قوله -تعالى-: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقرير الحجة أنه قد ثبت بالبراهين القاطعة أنه -تعالى- خلق كل شيء، فنسبة الولد إليه تنافي عموم خلقه، فإنه لو كان له ولد لم يكن مخلوقا له، بل جزءا منه. وهذا ينافي كونه خالق كل شيء.
وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين قالوا بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو بغير واسطة شر من النصارى.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وأن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقا لله. والنصارى لم يصل كفرهم إلى هذا الحد، قاله ابن القيم.
الحجة الرابعة:
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وتقرير الدلالة أنه -تعالى- لا يعلم له ولدا، فيستحيل نسبته إليه، فإنه لو كان له ولد لعلمه، لأنه بكل شيء عليم، ونظير هذا قوله -تعالى-: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
فهذا نفي لما ادعوه من الشفعاء ينفي علم الرب بهم المستلزم لنفي المعلوم.
ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
وهاتان الآيتان ذكرهما الله -تعالى- بعد إكفاره النصارى في
[ ١ / ٣٦٨ ]