فصل
وأما قول النصراني:
" وكان يشوع قد ارتفع إلى السماء، وأما محمد فهو بقي محبوسا في القبر ".
فجوابه أن الله -تعالى- خص من شاء من رسله بما شاء من الخصائص، وخص نبينا محمدا -ﷺ- بخصائص كثيرة لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء، وشارك الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في خصائص كثيرة. بل قال بعض العلماء: " إنه ما خص نبي بشيء إلا كان لنبينا -ﷺ- مثله زيادة ما اختص به عن جميعهم ".
وقد بسط العلماء ذلك بما يبين للمتأمل صحته، ولسنا بصدد تفصيل ذلك خوف الإطالة، فمن ذلك ما ذكر من رفع عيسى -﵇- إلى السماء، فإن نبينا -ﷺ- قد أعطى ذلك ليلة المعراج إلى السماوات، وزاد في الترقي لمزيد الدرجات، وحظي بسماع المناجات، ومشاهدة الكبرى من الآيات، والوصول إلى
[ ١ / ٤٠٩ ]
ذلك المقام الذي سمع فيه صريف الأقلام، وفرضت عليه هناك الصلوات، وخلعت عليه خلع الكرامات.
وهذه فضيلة لم تجئ لأحد من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. وأيضا فلو لم تجئ هذه الفضيلة لنبينا -ﷺ- لم يكن عدمها دالا على تفضيل عيسى -﵇- عليه، لأن لنبينا -ﷺ- من الفضائل والخصائص ما هو مقتضى سيادته لولد آدم، فتخصيص المفضول بخصيصة ليست للفاضل أمر معلوم، كما خص داود -﵇- بإلانة الحديد، وتأويب الجبال والطير معه، وسليمان بتسخير الجن والشياطين، وتسخير الريح، غدوها شهر، ورواحها شهر، والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وكرفع إدريس -﵇- إلى السماء. وأمثال ذلك، وكل هذا لا يدل على تفضيل هؤلاء الأنبياء -﵈- على الخمسة أولي العزم الذين هم أفضل الرسل، وإن لم تكن لهم تلك الخصائص، فإن الذي أوتوه من الفضائل والخصائص من وجوه أخر أعظم وأفضل.
وقد روى جابر بن عبد الله -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «وأعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا»
[ ١ / ٤١٠ ]
«وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة» أخرجه البخاري وغيره. وفي رواية: «وبعثت إلى الناس كافة» .
وليس المراد حصر خصائصه -ﷺ - في هذه الخمس المذكورة، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» . فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر، وزاد خصلتين، وهما: «أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبيون» .
وله -ﷺ- من مشاهير الخصائص غير هذا كتخصيص أمته بوضع الآصار، وحط الأثقال التي كانت على من قبلهم، ورفع تحميلهم ما لا يطاق، ورفع الخطأ والنسيان عنهم، وتسميته -ﷺ- أحمد، وإعطائه مفاتيح خزائن الأرض، وجعل أمته خير الأمم، وغفران ذنبه ما تقدم وما تأخر، وبقاء معجزة القرآن الذي أنزل عليه إلى يوم القيامة، وإعطائه الكوثر، وإعطائه لواء الحمد يوم القيامة، وأن آدم ومن دونه تحت لوائه.
[ ١ / ٤١١ ]
وبعض العلماء عد خصائصه ستين خصلة، وليس غرضنا استقصاء ذلك؛ فاكتفينا بالتنبيه عليه ردا لكلام المبطل، ونقضا لاعتراضه، وطريق إثبات هذه الخصائص هو طريق إثبات المعجزات كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
[ ١ / ٤١٢ ]