فصل
وأما شريعة الضلال التي بدل بها النصارى دين المسيح - ﵇ - فتلك ضلالة استخفهم بها الشيطان فأطاعوه، ودعاهم إليها فأجابوه، وتلاعب بهم فيها كل التلاعب حتى خرجوا عن مقتضى العقول والشرائع في أصول دينهم وفروعه.
كما أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق، فتلاعب بهم الشيطان في شأن الملك المعبود - ﷾ - وتلاعب بهم في أمر المسيح، وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته، وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس.
فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو من صورة مريم والمسيح وجرجيس وبطرس وغيرهم من القديسين والشهداء، وأكثرهم يسجد للصور، ويدعونها من دون الله.
حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه بالسجود للصور، وأن الله أمر موسى أن يصور صورة الساروس،
[ ٢ / ٦٤١ ]
وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل.
قال في كتابه: " وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا، فيأخذه العامل ويقبله، ويضعه بين عينيه، ويقوم لا تعظيما للقرطاس والمداد، بل تعظيما للملك. كذلك السجود للصور تعظيما لاسم هذا المصور لا للأصباغ والألوان ".
قال ابن القيم: " وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام. وما ذكر هذا المشرك عن موسى وسليمان لو صح لم يكن فيه دليل على السجود للصور، وغايته أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود: أنه نقش خطيئته في كفه، لئلا ينساها.
فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين تلك الصور؟ !.
وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدام الملك دخل على رجل، فوثب من مجلسه، وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
فكل عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله، إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي أن يختص به الملك دون عبيده من الإكرام والخضوع والتذلل. ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرامه له، ورفع منزلته.
كذلك حال من سجد لمخلوق ولصورة مخلوق، لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ما يتوسل به العبد إلى رضا ربه، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من عبيده، وسوى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقد فطر الله -سبحانه- عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم والإجلال والخضوع والذل الذي يعامل به الملك، فكيف بحال من فعل ذلك بأعداء الملك؟ فإن الشيطان عدو الله، والمشرك إنما يشرك به لا يوالي الله ورسوله، بل الله ورسوله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم، معادون لهم، وهم أشد الناس مقتا لهم في نفس الأمر، إنما أشركوا بأعداء الله، وسووا بينهم وبين الله في العبادة والتعظيم والسجود والذل.
ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما في الفطرة السليمة والعقل الصحيح، والعلم بقبحه أظهر من العلم بسائر القبائح ".
[ ٢ / ٦٤٣ ]