فصل
وأما قول النصراني:
"وكان يشوع ذا صلاح تام في سيرته حتى لم يطعن في عرضه بشيء.
أما محمد فهو صاحب الغزاة والقتال، مغرما بالنساء، وكثير النكاح ".
فالجواب -وبالله التوفيق-:
أما عيسى -﵇- فهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو أحد الخمسة أولي العزم من الرسل، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد -صلى الله عليهم وسلم تسليما-.
وحاشا رسل الله وأنبيائه أن يطعن عليهم في أعراضهم بشيء، كيف وهم الذين اصطفاهم الله لرسالاته، وجعلهم سفراء بينه وبين عباده، فاعتقاد المسلمين في المسيح كغيره من الرسل هو ما جاء به نبيهم -ﷺ-، وهو إنزالهم المنزلة التي أنزلهم الله إياها، فلا يغلون غلو النصارى، ولا يجفون جفاء اليهود. فـ
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
[ ١ / ٤٠١ ]
وأما فضائل نبينا محمد -ﷺ-، وصلاح سيرته وعظم أخلاقه وزهادته في الدنيا وإعراضه عن زهرتها فقد قدمنا إشارة يسيرة إلى ذلك، وهو غيض من فيض، ونقطة من بحر، لأنا قد بنينا كتابنا هذا على الاختصار، والتنبيه على مقاصده بأدنى إشارة، فلو تتبعت فضائله، وفصلت شمائله، وشرحت أخلاقه لكان ذلك في مجلدات كثيرة -فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون عليه دائما إلى يوم الدين وأبد الآبدين-.
وقوله: "فهو صاحب الغزاة " إلى آخره.
جوابه: أما النكاح ومحبة النساء فقد قدمنا فيها ما يكفي، وبينا أن ذلك من الفضائل لا من الرذائل، ومن المناقب لا من المثالب، وأنه من سنن الأنبياء والمرسلين، ومن طريق عباد الله الصالحين، فلا يتأتى الطعن بالنكاح وملابسة النساء إلا بتنقص الأنبياء والمرسلين كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وغيرهم من أنبياء الله ورسله، وكفى بذلك عماية قلب وسخافة عقل وسمة ضلالة وقبيح جهالة.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وأما اعتراضه بالغزو والقتال فهو اعتراض باطل من وجوه:
الأول:
أن الغزو والقتال للأعداء فضيلة متنافس فيها على الجملة، دالة على شرف النفس، وعلو الهمة، ولم يزل التمادح به مشهورا في القديم والحديث.
وإنما يذم ما كان منه ظلما وعدوانا، وليس كذلك قتال نبينا -ﷺ - لما نبينه في الوجه الثاني.
وهو أن قتاله -ﷺ- إنما هو عن أمر الله -تعالى- وشرعه لإقامة دين لله وإبطال عبادة من سواه من الأنداد والأصنام.
وهذا من أعظم الفضائل، وأكبر المناقب، وأرفع الرتب، وهو قتال الأنبياء وأتباعهم، ولنبينا -ﷺ- وأتباعه من هذه الفضيلة أوفر حظ، وأكمل نصيب.
الوجه الثالث:
أن قتاله -ﷺ- من أعلام نبوته، وأدلة رسالته، لأنه مطابق لما جاء من نعته في كتب الأنبياء - ﵈ - كما قدمنا من نص الزبور في قوله:
(تقلد - أيها الجبار - بالسيف، فإن شريعتك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة) .
[ ١ / ٤٠٣ ]
وفي النص الآخر في صفته -ﷺ-، وصفة أمته: (بأيديهم سيوف ذات شفرتين) .
إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أنه يبعث بالسيف والقتال.
وتقدم في قصة ابن الهيبان الحبر في وصيته لليهود باتباعهم محمدا -ﷺ- قوله: (لا تسبقن عليه يا معشر اليهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وبسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه) .
الوجه الرابع:
أن القتال ليس مختصا بشريعته - ﷺ -، فقد قاتل كثير من الأنبياء -﵇- بإذن الله لهم في ذلك وأمره، وقد أمر الله بني إسرائيل بقتال الجبارين، ودخول الأرض المقدسة مع موسى -﵇-. فلما عصوا أمر الله عاقبهم بالتيه أربعين سنة، وبعد خروجهم منه توجهوا لقتال الجبارين مع يوشع بن نون -﵇-، ففتح الله عليهم، ولم يزل الجهاد والقتال مشهورا في بني إسرائيل، ومعهم الأنبياء، كما قال الله -تعالى-:
[ ١ / ٤٠٤ ]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
وأما كون القتال غير مشروع لعيسى -﵇- فذلك لا يدل على أن تركه أفضل مطلقا، بل هذا من اختلاف الشرائع، كما قال -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ .
الوجه الخامس:
أن في الجهاد من المصالح العظيمة، والحكم الباهرة فيما يتعلق بأمر الدنيا والآخرة ما لا يحصى:
فمنها ما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله، وإقامة دينه، وعزة أنصاره، وإنفاذ أحكامه، وقد حصل به من ذلك على يد محمد -ﷺ- وأصحابه وأتباعه ما شتت شمل الكفر وفرق كلمة الإشراك، وأرغم أنف الشيطان اللعين.
ومنها: إنقاذ الهالكين في الكفر، والضلالة، وعبادة الأصنام، والأنداد، وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن طريق النار إلى سبيل الجنان، ومن رق الشيطان إلى عبادة الرحمن.
وقد أنقذ بهذه الأمة، وجهادها من شاء الله من الأمم الهالكين.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وفي هذا المعنى ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - في قول الله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام.
ومنها ابتلاء الله -تعالى- عباده، واختبارهم بتكليفهم القتال، وبذلهم - في طاعته - النفوس والأموال، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
ومنها ما يترتب على ذلك من عظيم المثوبات ورفعة الدرجات بما بذلوا من مهجهم وأموالهم في طاعة الله ونصرة دينه، فالمجاهدون أرفع الناس درجة في الدنيا والآخرة.
[ ١ / ٤٠٦ ]
الوجه السادس:
أنه إذا كان قتاله -ﷺ- عن أمر الله لثبوت رسالته، فالاعتراض عليه في شيء من أمره اعتراض على الله، لأنه الذي شرع وأمر.
وهذا نظير اعتراض من يعترض من المكذبين للرسل على ذبح الحيوان للأكل بأن هذا تعذيب للحيوان لا يأذن الله فيه.
وإذا كانت شرائع الأنبياء جاءت بذبح بعض الحيوانات للأكل وقتل بعضها دفعا للأذى، مع أنه لا تكليف عليها ولا ذنب لها، فكيف يكون الأمر في قتال أعداء الله الكافرين به المكذبين رسله العابدين معه آلهة أخرى؟. لا جرم أن قتالهم وغزوهم وجهادهم حتى يؤمنوا بالله، ويتابعوا رسوله لفي غاية الصلاح ونهاية السداد وتمام الحكمة.
وبالجملة، ففضائل الجهاد في سبيل الله أكثر من أن يأتي عليها الوصف، وما كان هذا شأنه فلا شك أن المتصف به قد حاز فضلا عظيما، واقتنى خيرا كثيرا، وأن مشروعيته في هذه الملة من محاسنها ومحاسن من جاء بها، وفضائل أتباعه الذين هم خير أمة أخرجت للناس.
[ ١ / ٤٠٧ ]