وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، ووهب لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.
وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وكمل في كتابه من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله.
وكذلك في شريعته، فهذه الأمة هم المجتبون، كما قال إلههم: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
وجعلهم شهداء على الناس وقال - تعالى -: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم " انتهى.
ولا ريب أن حنس أهل الكتاب أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن لا كتاب لهم. وأن هذه الأمة أكمل من أهل الكتابين وأعدل، فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد - ﷺ - أكمل منهم فيها.
كما قال شيخ الإسلام أبو العباس:
من نظر بعقله حتى في هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم
[ ٢ / ٦٣٦ ]
النافع والعمل الصالح، وما عند اليهود والنصارى، علم أن بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق.
فإن الذي عند المسلمين من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه ورسله، ومعرفة اليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، أعظم وأجل مما عند اليهود والنصارى.
وما عند المسلمين من العبادات الظاهرة والباطنة مثل الصلوات الخمس وغيرها من الصلاة والأذكار والدعوات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
وما عندهم من الشريعة في المعاملات والمناكحات والأحكام والحدود والعقوبات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
فالمسلمون فوقهم في كل علم نافع وعمل صالح. وهذا يظهر لكل أحد بأدنى نظر، لا يحتاج إلى كثير سعي.
والمسلمون متفقون على أن كل هدى وخير حصل لهم فإنما حصل بنبيهم - ﷺ - " انتهى.
فأما العلوم فالمسلمون أحذق من جميع الأمم، حتى العلوم التي ليست بدينية كعلم الحساب والطب ونحو ذلك هم فيها أحذق، ومصنفاتهم فيها أكمل، وهم أحسن علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين مرمي بنفاق، ولا قدر له عندهم، لكن حصل له بما تعلمه من المسلمين من العقل والبيان ما أعانه على الحذق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبيانا لها.
وأما العلوم الإلهية فكل من نظر في كلام المسلمين وأهل الكتاب وجد كلام المسلمين فيها أكمل وأتم، ومعلوم أن أهل الكتاب فيها أتم من غيرهم.
وأما العبادات فالناس مختلفون في صفاتها:
فمنهم من يظن أن الأشق هو الأفضل. وهذا مذهب كثير من مشركي الهند وغيرهم وكثير من مبتدعة المسلمين.
ومنهم من يقول: الأفضل ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية.
ومنهم من يقول: الأفضل لا علة له، بل يرجع إلى محض المشيئة.
والرابع - وهو الصواب -: أن أفضلها ما كان لله أطوع، وللعبد أنفع.
وعلى كل قول فعبادات المسلمين أكمل.
أما الأولون فيقال لهم: الجهاد أعظم مشقة من الجوع والسهر وغير ذلك.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
وأما على القول الثاني فلا ريب أن عبادات المسلمين أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غيرهم، فإنها متضمنة للظلم المنافي للعدل.
وأما على قول النفاة فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله - تعالى - خير ممن عباداته قد ابتدعها أكابرهم.
وأما على القول الرابع فما علم أن الله أمر به يتضمن طاعته دون ما ابتدع، وأما انتفاع العباد بها فهذا يعرف بثمراتها، ومن ذلك آثارها في صلاح القلوب، فليتدبر العاقل عقول المسلمين وأخلاقهم وعدلهم، يظهر له الفرق.
فالصلاة فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة والاصطفاف، والركوع والسجود، واستقبال بيت إبراهيم والإمساك عن الكلام، وما فيها من الخشوع وتلاوة القرآن واستماعه الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره لكل متدبر منصف.
إلى أمثال ذلك مما يظهر به فضل عبادات المسلمين.
وأما حكمهم في الحدود والحقوق فلا تخفى على عاقل، حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون من يقضي بينهم بشرع المسلمين، وهذه جمل يطول تفصيلها.
وبما ذكرناه يعلم الجواب عن كلام النصراني في هذا الفصل على وجه الإجمال، ويتبين به أفضلية شريعة محمد - ﷺ - على غيرها من شرائع الأنبياء ﵈، كما أنه خيرهم وسيدهم في الدنيا والآخرة.
[ ٢ / ٦٣٩ ]