ولا ريب عند كل ذي لب صحيح أن هذا يمنع الثقة بشيء من كتبهم، حيث قبلوا ما كان مشكوكا فيه عند أوائلهم أو مردودا مكذوبا، ثم عمدوا إليه، فألحقوه بإنجيل المسيح الذي زعموا أنه لم يغير، ولم يبدل، فإن مثل هذا لا يرتضيه ثقات المؤرخين أن يضعوا في كتبهم ما يكون مستندا إلى الشك وعدم الثقة، فكيف بكتب الشريعة المنسوبة إلى الأنبياء المجعولة عمدة في الدين؟
فهذا أوضح دليل وأظهر برهان على جهالة الأمة الضالة بالعلم الصحيح الموروث عن المسيح -﵇-، بل قد التبس عليهم الصدق بالكذب، والصحيح بالسقيم، لأنه ليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة الإسلامية من الأئمة العلماء والسادة الأتقياء، والبررة النجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث، وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه ومنكره
[ ١ / ٢٣٠ ]
ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال.
كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر -ﷺ- أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس عنه. فضلا عن عنايتهم بنقل القرآن وحفظه حتى لا يشك في حرف من حروفه أنه من عند الله، فرضي الله عنهم، وأرضاهم، وجعل جنة الفردوس مأواهم، وقد فعل.
الوجه الخامس:
أن هذه الكتب كما يدل عليه صريح كلام النصراني لم تتلق إلا من صحف وجدت بأيدي النصارى، لا كحال المسلمين في تلقي القرآن من أفواه الثقات المتقنين قرنا بعد قرن، حتى لم يقع اختلاف بينهم في حرف واحد أنه من القرآن.
[ ١ / ٢٣١ ]