فصل
في بيان أن هذه الأخبار تفيد العلم؛ ليعرف بطلان قول النصراني: " إن هذه المعجزات مما لم يكن عليه شهود ".
فنقول: هذه المعجزات منها ما هو في القرآن. وقد علم بالضرورة عند الموافق والمخالف إتيانه من قبل محمد - ﷺ - كما قدمنا الإشارة إلى ذلك.
ومنها ما هو متواتر، كنبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع، وتكثير الطعام. فما من طبقة من طبقات الأمة إلا وهذه المعجزات منقولة عنده، وتواترها أعظم من تواتر كثير من الأحكام.
فهو أعظم من تواتر سجود السهو؛ فإن سجود السهو متواتر مقطوع به، مع أنه إنما كان مرات قليلة ولا يحضره إلا المصلون خلفه لتلك الصلاة.
وكذلك حكمه - ﷺ - بالشفعة فيما لم يقسم.
وكذلك نقلهم لنصب الزكاة، فإنه مع كونه متواترا مقطوعا به فلم يسمعه منه إلا طائفة قليلة.
وأمثال ذلك كثيرة، إنما سمعها طائفة من الأمة هم أقل بكثير ممن شاهد آياته.
[ ٢ / ٥١٧ ]
قال بعض الأئمة:
ومن المعلوم بالضرورة أنه قد جرى على يديه - ﵊ - آيات، وخوارق عادات، إن لم يبلغ واحد منها معينا القطع فيبلغه جميعها، فلا مرية في جريان معانيها على يديه.
ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه جرت على يديه عجائب، وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله.
وقد قدمنا إيضاح الدلالة على كونها من قبل الله، وأن ذلك بمثابة قوله: صدق عبدي؛ فأطيعوه.
فهذا أحد الوجوه في إثبات هذه المعجزات وهو التواتر العام.
الوجه الثاني: التواتر الخاص.
وذلك في كثير من أفراد هذه المعجزات. فإن الأخبار قد تستفيض وتتواتر عند قوم دون قوم بحسب طلبهم لها، وعلمهم بمن أخبر بها، وما دل من الدلائل على صدقهم.
وأهل العلم بحديث النبي - ﷺ - لهم من العلم بهذا ما ليس عند غيرهم.
كما أن أصحاب مالك والشافعي وغيرهما، عند كل كل طائفة من أقوال متبوعيهم وأخباره ما يقطعون به، وإن كان غيرهم لا يعرفه.
والأطباء عندهم من كلام بقراط وأمثاله كذلك.
[ ٢ / ٥١٨ ]
وأهل العلم بأيام الإسلام يعلمون من سيرة الخلفاء ومغازيهم ما يقطعون به، وإن كان غيرهم لا يعرفه.
بل أهل العلم بالرجال يعلمون من حال آحاد الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما لا يعلمه غيرهم.
والنحاة يعلمون من حال سيبويه وأمثاله ما لا يعلمه غيرهم.
فكيف بمن هو عند أتباعه أعلى قدرا من كل عالم، وأرفع منزلة من كل ملك، وهم أرغب الخلق في معرفة أحواله، وأعظم الناس تحريا للصدق فيها، ولرد الكذب منها، حتى صنفوا الكتب الكثيرة في أخبار جميع من روى شيئا من أخباره، وذكروا من الجرح والتعديل، ووقعوا في ذلك، وبالغوا مبالغة لا يوجد مثلها لأحد من الأمم، ولا لأحد من هذه الأمة إلا لأهل الحديث، وميزوا في المنقولات بين الصدق والكذب، فيردون الكذب وإن كان فيه من فضائل نبيهم وأعلام نبوته ما هو أعظم مما يقبلون، ويقبلون الصدق وإن كان فيه شبهة يحتج بها المنازع.
[ ٢ / ٥١٩ ]
قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يثبتون ما لهم وعليهم، وأهل البدع لا يثبتون إلا ما لهم.
فإذا كان أولئك فيما ينقلونه عن متبوعهم جازمين به لا يكون إلا صدقا. فهؤلاء مع جزمهم بالصدق واتفاقهم على التصديق أولى.
قال شيخ الإسلام أبو العباس: " وعامة أخبار الصحيحين مما اتفق أهل الحديث على التصديق بها، وجزموا بذلك ".
الوجه الثالث في تصحيح هذه المعجزات: التواتر المعنوي.
وهذا مما اتفق عليه عامة الطوائف، فإن الناس يسمعون أخبارا متفرقة تتضمن شجاعة علي، وعمر، وأمثالهما، وسخاء حاتم ومعن
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وأمثالهما، وحلم الأحنف ومعاوية وأمثالهما، فيحصل علم ضروري بأن الشخص موصوف بهذا وإن كان كل خبر لو تجرد لم يفد العلم.
فهذه الأحاديث وأضعاف أضعافها هي أضعاف أضعاف ما نقل عن الواحد من هؤلاء، ونقلتها أجل وأكبر، وعلم المسلمين بها أعظم من علم أهل الكتب بآيات موسى وعيسى، فما يذكرون من حجة في صحة نقلها إلا وحجة المسلمين فيما ينقلونه عن نبيهم وأصحابه أظهر وأقوى.
الوجه الرابع:
أنها تكون بمحضر من الخلق الكثير، كتكثير الطعام يوم الخندق، ونبع الماء من بين أصابعه يوم الحديبية، وفيضان البئر بها، وكلهم صالحون لا يعرف فيهم من تعمد كذبة واحدة.
وكان بعضهم ينقلها قدام آخرين ممن حضرها، فيذهب أولئك، فيخبرون بها أولئك، فيصدق بعضهم بعضا، ويحكي هذا مثل ما حكى هذا، من غير تواطؤ. وأدنى أحواله أن يقرره، ولا ينكره.
[ ٢ / ٥٢١ ]
ونعلم بموجب العادة الفطرية، وبما كان عليه السلف من تحري الصدق، وشدة توقيهم الكذب على نبيهم - ﷺ - وروايتهم عنه التحذير من الكذب عليه وتعظيم الوعيد على ذلك، كما في الحديث المتواتر عنه: " «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» " أنهم لم يكونوا يقرون من يعلمون أنه يكذب عليه، بل نعلم أنه لو كان ما سمعوه منكرا عندهم وغير معروف لديهم لأنكروه. كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها في السنن والسير وغير ذلك. وخطأ بعضهم بعضا ووهمه في ذلك في قضايا معلومة.
ومن تعقل ما ذكرناه علم قطعا أنهم متفقون على نقل تلك المعجزات. كما اتفقوا على نقل القرآن.
ومما يبين ذلك أن ما أنكره بعضهم على الآخر، وإن كانوا متأخرين عن الصحابة أوجب التنازع في حكم ذلك كتنازعهم: هل كان يجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية؟ أو يداوم على القنوت في الفجر.
وهو من أهون الأمور؛ إذ كلهم متفقون على صحة صلاة من فعل أو ترك.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
ولكن لما تنازعوا في فعله تنازعوا في الحكم، فعلم أن ما كان مشهورا في الأمة عن النبي - ﷺ - ولم ينكره أحد من علمائها كانت الأمة متفقة على نقله.
وكذلك حجة؛ فإنهم متفقون على ما تواتر عنه من أنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وأنه عاش بعدها نحو ثلاثة أشهر.
قال أبو العباس:
" واتفقوا على أنه لما حج أمر أصحابه إلا من ساق الهدي إذا طاف وسعى أن يحل، وأنه لم يعتمر هو وأصحابه الذين حجوا معه بعد الحج إلا عائشة، وأنه لم يحل، ولا من ساق الهدي معه.
وإنما اشتبه على بعضهم بعض ألفاظه، أو بعض الأمور التي تخفى على كثير من الناس.
وكان الصحابة ينقلون تمتعه، ومرادهم أنه قرن بين العمرة والحج، وبعضهم قال: أفرد الحج، فظن بعض الناس أنه اعتمر بعد الحج.
وقال بعضهم: قرن، فظن بعض الناس أنه طاف طوافين، وسعى سعيين.
ومن أسباب الغلط أن الصحابة يستعملون تلك الألفاظ في غير المعاني التي استعملها من بعدهم ".
[ ٢ / ٥٢٣ ]
قال: "ومن تدبر هذا أفاده علما يقينا بصحة هذه المعجزات عنه ".
الوجه الخامس:
إن كل طائفة من العلماء ممن صنف في علوم الأثر قد تواتر عندهم من هذه الآيات ما فيه كفاية، فكتب التفسير متواتر فيها. وكذلك كتب الحديث، وكذلك كتب السير، وإن لم يكن هذا مقصودا منها.
وإنما المقصود ما أصوله تلك الكتب من الأحكام وغيرها، فنقل كل طائفة يفيد العلم اليقيني، فكيف بنقل الكل!.
وهذه الأوجه التي ذكرناها يستدل بها تارة على تواتر الجنس العام.
وهذا أقل ما يكون، وعلى تواتر جنس جنس، منها كتكثير الطعام والطهور، وعلى نوع نوع، كنبع الماء من بين أصابعه، وعلى تواتر شخص شخص، كحنين الجذع.
وكلما أمعن الإنسان في ذلك النظر واعتبره بأمثاله وأعطاه حقه من النظر والاستدلال ازداد به علما ويقينا، وتبين له أن العلم بذلك أظهر من جميع ما يطلبه بالأخبار المتواترة.
فليس في الدنيا علم مطلوب بالأخبار المتواترة إلا والعلم بآيات الرسول وشرائع دينه أظهر من ذلك.
[ ٢ / ٥٢٤ ]