ولنذكر من نصوص التوراة والإنجيل مما هو الآن موجود بأيدي اليهود والنصارى، مما يدل على نبوة نبينا -ﷺ-، ونعوته، وصفاته ما هو دليل على ما وراءه، ومصداق ما تقدم ذكرنا له.
فمن الدلائل في " الإنجيل " على ذلك ما ورد في الفصل الذي أشار إليه النصراني وهو الفصل الرابع عشر من " إنجيل يوحنا " الذي يرويه عن المسيح -﵇- قال فيه: " إن كنتم تحبوني فحافظوا على كلامي، وأنا ألتمس الآب فيرسل إليكم فارقليط آخر؛ ليمكث معكم إلى أبد الآبدين ".
فهذا من الأدلة على نبوة محمد -ﷺ -، فإنه يدل على أن الله سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه في تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه منابه، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدا. فهل هذا إلا محمد -ﷺ-؟ !.
وقد اختلف النصارى في تفسير " الفارقليط "، فقيل: هو الحامد، وقيل: المخلص.
فإن وافقناهم على أنه المخلص اقتضى أن المخلص رسول يأتي
[ ١ / ٢٥٨ ]
لخلاص العالم، وذلك من غرضنا؛ لأن كل نبي مخلص لأمته من الكفر، ويشهد له قول المسيح -﵇- في الإنجيل: " إني جئت بخلاص العالم ".
فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص العالم، وهو الذي سأل لهم فارقليط آخر، ففي مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول حتى يأتي فارقليط آخر.
وإن وافقناهم على القول بأنه الحامد، فأي لفظ أقرب إلى أحمد ومحمد من هذا. وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ .
قال أبو ظفر: " وفي الإنجيل مما ترجموه ما يدل على أن " الفارقليط " الرسول، فإنه قال: إن الكلام الذي تسمعونه ليس هو لي، بل الآب الذي أرسلني بهذا الكلام لكم، وأما الفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي باسمي فهو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم ".
فهل بعد هذا البيان؟ أليس هذا صريحا في أن الفارقليط رسول يرسله الله، وهو روح القدس، وهو يصدق بالمسيح، ويظهر اسمه أنه
[ ١ / ٢٥٩ ]
رسول حق من الله، وليس بإله، وهو يعلم الخلق كل شيء، ويذكرهم كل ما قاله المسيح -﵇- لهم، وكل ما أمرهم به من توحيد الله.
وأما قوله: "أبي" فهذه اللفظة مبدلة محرفة، وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين إشارة إلى الرب -﷾-؛ لأنها عندهم لفظة تعظيم يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم.
ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية، ولم يزل بنو إسرائيل وبنو عيصو يقولون: نحن أبناء الله؛ لسوء فهمهم عن الله -تعالى-.
وأما قوله: "يرسله أبي باسمي" فهو إشارة إلى شهادة المصطفى -ﷺ- له بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرآن من مدحه وتبرئته مما افتري في أمره.
قال في المواهب: "وفي ترجمة أخرى للإنجيل في وصف الفارقليط: إذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بكل ما يسمع يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم
[ ١ / ٢٦٠ ]
بالحوادث". وهو عند ابن ظفر بلفظ: "فإذا جاء روح القدس ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، وهو يمجدني".
فقوله: "ليس ينطق من عنده"، وفي الرواية الأخرى: "ولا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي"؛ أي: من الله الذي أرسله. وهذا كما قال الله -تعالى- في حقه -ﷺ-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
وقوله: "وهو يمجدني" فلم يمجده حق تمجيده إلا محمد -ﷺ-؛ لأنه وصفه بأنه رسول الله، وبرأه، وبرأ أمه -﵉- مما نسب إليهما.
قال ابن ظفر: "ومن الذي وبخ العلماء على كتمان الحق، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس، ومن الذي أنذر بالحوادث، وأخبر بالغيوب إلا محمد -ﷺ-؟ " انتهى.
و"روح القدس" من أسمائه -﵊ - وبكل منهما جاء الإنجيل. وكذلك "روح الحق" كما ذكره صاحب المواهب.
[ ١ / ٢٦١ ]
وقد سمى الله -سبحانه- الكتاب الذي أنزله عليه روحا، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
وقد قيل في تفسير (الفارقليط): معناه روح الحق.
وفي نهاية ابن الأثير في صفته - ﵊ -: " أن اسمه في الكتب السالفة (فارقليط)؛ أي: يفرق بين الحق والباطل قال: ومنه الحديث: " محمد فرق بين الناس "؛ أي يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه ".
وللنصارى في تفسير روح القدس من الكلام الباطل ما هو مقتضى كفرهم بالله وشركهم به - تعالى الله عما يشركون -.
فقد عرفت بما ذكرناه من النص الذي بأيديهم في ذكر (الفارقليط) أنه من أدلة نبوة محمد -ﷺ- لا يحتمل وجها آخر. وبذلك تعلم أن إحالة النصراني صفته -ﷺ- التي ادعاها المسلمون في الفصل الذي ذكره على ما قد محاه النصارى
[ ١ / ٢٦٢ ]
مغالطة وتعمية عن الدلالة التي قررناها، وهذا من تمويههم على ضعفاء العقول، كما هو دأبهم في كل نص في صفته -ﷺ-.
ومن الأدلة في الإنجيل ما ورد في الفصل الثالث من أخبار الرسل وهو أحد الأناجيل التي بأيدي النصارى مما يرونه عن المسيح -﵇-، ولفظه: أن موسى قال: " إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيا من إخوتكم مثلي، له تسمعون في كل ما يكلمكم به، وتكون كل نفس لا تسمع ذلك النبي تستأصل من بين القوم ".
وهذا النص أيضا في " سفر الاستثناء " من التوراة، وهو صريح في الدلالة على نبوة محمد -ﷺ-، وقد حرفه اليهود والنصارى، وتأولوه على غير تأويله، فزعمت اليهود أن المراد به يوشع بن نون، وزعمت النصارى أن المراد به المسيح.
ودعوى الكل واضحة البطلان؛ فإنه قال: " من إخوتكم " والخطاب لبني إسرائيل، ولو كان المراد يوشع أو عيسى لكان من أنفسهم؛ لأنهم من بني إسحاق، فدل على أن هذا النبي الموعود به ليس من أنفسهم، بل من إخوتهم، وهو من بني إسماعيل.
وأيضا فقد وصف هذا النبي بقوله: " مثلي " ولفظ هذا النص في التوراة مما ترجموه: " أن الله -تعالى- قال لموسى: " وسأقيم لهم نبيا " وأيضا فقد وصف هذا النبي بقوله: " مثلي " ولفظ هذا النص في التوراة مما ترجموه: " أن الله -تعالى- قال لموسى: " وسأقيم لهم نبيا
[ ١ / ٢٦٣ ]