بيني وبين رسول الله - ﷺ - إلى الشام، فبينما أنا بها إذ جيء بكتاب من النبي - ﷺ - إلى هرقل، جاء به دحية الكلبي، فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى عظيم الروم هرقل.
فقال هرقل: هل ههنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
فقالوا: نعم، فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا عليه، فأجلسنا بين يديه.
فقال: أيكم أقرب نسبا منه؟ فقلت: أنا. فأجلسني بين يديه وأصحابي خلفي، ثم دعا ترجمانه.
فقال: قل لهؤلاء: إني سائل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه.
قال أبو سفيان: وأيم الله، لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبته.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو حسب.
فقال: هل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: فهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.
قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قلت: لا.
قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: كيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، يصيب منا، ونصيب منه.
قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها.
قال أبو سفيان: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا.
فقال لترجمانه: قل له:
إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا. فقلت: لو كان في آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه.
وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. وهم أتباع الرسل.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا. فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله.
وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا. فكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب.
وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا؛ ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله.
ثم قال: بم يأمركم؟ قلنا: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
فقال: إن يك ما تقول حقا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه.
ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.
ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - فقرأه، فإذا فيه: " «بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين، و﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
»
[ ٢ / ٥٦٧ ]
«فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، فأمر بنا، فأخرجنا.
فقلت لأصحابي: لقد أمر أمر
ابن أبي كبشة؛ أنه ليخافه ملك بني الأصفر. فمازلت موقنا بأمر رسول الله - ﷺ - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام» ".
[ ٢ / ٥٦٨ ]