ومن آياته كلام الحيوانات وطاعتها له - ﷺ - فمن ذلك سجود الجمل، وشكواه إليه.
أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: " «كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم، ومنعهم ظهره، وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وأنه استصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: قوموا. فقاموا، فدخل الحائط والجمل في ناحية، فمشى رسول الله - ﷺ - نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكلب، وإنا نخاف عليك صولته. فقال رسول الله - ﷺ -: ليس علي منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول الله - ﷺ - أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله - ﷺ - بناصيته أذل ما كان قط،»
[ ٢ / ٤٨٩ ]
«حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك؟ ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك. فقال رسول الله - ﷺ -: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها» ".
وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث من طرق تدل على تعدد القصة.
ومن ذلك قصة الذئب.
أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «عدا الذئب على شاة، فأخذها، فطلبه الراعي فأخذها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، وقال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي. فقال الراعي: يا عجبا! ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره» الحديث.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
واعلم أن قصة كلام الذئب جاءت من عدة طرق - أيضا - من حديث أبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وجاءت أحاديث - أيضا - في كلام الحمار وكلام الضب وكلام الغزالة، ولكن لا تخلو أسانيدها عن مقال.
ومن آياته نبع الماء من بين أصابعه، ﷺ.
قال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا - ﷺ -.
وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ - أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا، فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم ". انتهى.
وقد روي حديث نبع الماء عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس، وجابر، وابن مسعود.
[ ٢ / ٤٩١ ]
ففي الصحيحين عن أنس قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأتي رسول الله - ﷺ - بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم» .
وفي البخاري أنهم ثمانين رجلا. وفي اللفظ: " «فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضأ القوم. قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة» .
وفي الصحيحين أيضا عن جابر - ﵁ - قال: «عطش الناس يوم الحديبية فأتوا رسول الله - ﷺ - وبين يديه ركوة، فقالوا: ليس عندنا ما نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك. فوضع - ﷺ - يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فتوضأنا، وشربنا. قيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة» .
[ ٢ / ٤٩٢ ]