والمقصود أن نصبه الترجيح بين محمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام- وشريعتيهما دليل على اعترافه بفضل محمد -ﷺ- وشريعته، وهذا يلزم منه أن محمدا حق، ودينه حق، وإلا فأين النسبة بين الحق والباطل، والصدق والكذب؟ !.
فهذا الطريق في الترجيح إنما يتوجه مع الاعتراف بحقية كل من الشريعتين، كأن يرجح المسلمون ما هو الحق من أفضلية محمد -ﷺ- على من سواه من الرسل، وشريعته على ما عداها من شرائع الأنبياء، مع الإيمان بأن كلا منهما من عند الله، وأن الله -تعالى- هو الذي فضل من شاء بما شاء، ورفع بعض الرسل فوق بعض درجات.
ولكنه لما كانت شريعة محمد -ﷺ- شريعة باهرة، وفضائلها ظاهرة، لم يمكن الخصوم إلا الاعتراف بفضلها، وفضل من جاء بها، لما بهرهم من أنوار النبوة، وبهتهم من عظمة نواميس هذه الشريعة الكاملة التي اختارها الله لخيرته من خلقه ولأمته -خير أمة أخرجت للناس-، وجعلها حجة باقية إلى قيام الساعة، لا يتطرق إليها النسخ، ولا يعتريها التبديل والتغيير الذي وقع في الشرائع قبلها، فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، بل لا تزال فيها طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ولهذا المعنى الذي ذكرناه، كان كل عاقل من اليهود والنصارى -كما قال شيخ الإسلام أبو العباس - يعترف بأن دين الإسلام حق، وأن محمدا رسول الله، وأن من أطاعه منهم دخل الجنة، بل كثير منهم يعترفون أن دين الإسلام خير من دينهم. كما أطبقت على ذلك الفلاسفة، كما قال ابن سينا وغيره: أجمع فلاسفة العالم على أنه لم يطرق العالم ناموس أعظم من هذا الناموس. انتهى.
إذا عرف هذا فالله -﷾- اختار الأنبياء من ولد آدم وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا.
واختار الرسل منهم، وهم ثلاث مائة وثلاثة عشر، على ما دل عليه من عددهم حديث أبي ذر الذي رواه الإمام أحمد وابن
[ ١ / ٣٠٤ ]
حبان في صحيحه.
ثم اختار منهم أولي العزم الخمسة، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وذكرهم -أيضا- في سورة الشورى.
ثم اختار منهم الخليلين: إبراهيم، ومحمدا - صلى الله عليهما وسلم -.
واختار منهما محمدا -ﷺ-.
وهو سيد ولد آدم، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، وصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم آخر الأمم خلقا، وأولهم بعثا، فهم كما قال -ﷺ- في
[ ١ / ٣٠٥ ]
الحديث الصحيح: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة. بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. فهذا - يعني يوم الجمعة - يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس فيه تبع، غدا لليهود وبعد غد للنصارى» .
وقال -ﷺ-: «أنا أول من تنشق عنه الأرض» .
وقال: «آتي باب الجنة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك» .
وفضائله وفضائل أمته كثيرة دل عليها خبر صاحب المعجزات الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
ونطقت بها الكتب السالفة، وأخبر بها الأنبياء الأقدمون، ودل عليها استقراء سيرهم وأخبارهم.
وهذه الجملة مجمع عليها بين المسلمين، وهي أن الله فضل بعض الرسل على بعض، وفضل على الجميع محمدا -ﷺ-، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ .
[ ١ / ٣٠٦ ]
وكذلك أجمعوا على محبتهم وموالاتهم، والإيمان بهم كلهم، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض كحال أهل الكتاب الذين يدعون الإيمان ببعض الرسل، ويكفرون ببعض، ويعظمون بعضهم حتى يجعلوهم آلهة مع الله، ويتنقصون بعضهم، كما فعل هذا النصراني فيما تقدم من كتابه.
حيث لم يقتصر على الطعن في سيد المرسلين، إذ كفره سابق على ذلك.
بل اعترض -أيضا- على موسى - كليم الرحمن -، ونسبه إلى الشك فيما جاءه من الحق، وارتكاب ما يستحق عليه اللوم، مع اعترافه بأنه رسول الله.
فليعتبر الموقن بالله أي الفريقين أولى بالله وبرسله.
وقد أجمع المسلمون على أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - معصومون فيما يخبرون به عن الله وفي تبليغ رسالاته، لا خلاف بينهم في ذلك، وإن وقع خلاف فيما دونه.
والذي عليه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين أنهم معصومون -أيضا- من الإقرار على الذنوب مطلقا، والمسألة طويلة الأذيال فلا نطيل بذكرها.
والمقصود أن الله -تعالى- كما اختار الأنبياء على من سواهم اصطفى لهم من الأخلاق أزكاها، واختار لهم أفضلها وأولاها، وجمع الفضائل التي فرقها فيهم لخاتمهم وسيدهم وأفضلهم محمد
[ ١ / ٣٠٧ ]