فلما انتصر البطريق، قال للملك: استحضر البطارقة والأساقفة حتى يكون لنا مجمع، ونضع قصة نشرح فيها الدين، ونوضحه للناس، فحشرهم قسطنطين من سائر الآفاق، فاجتمع عنده بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا، وكانوا مختلفي الآراء متباينين في أديانهم.
فلما اجتمعوا كثر اللغط بينهم، وارتفعت الأصوات، وعظم الاختلاف، فتعجب الملك من شدة اختلافهم، فأجرى عليهم الأنزال، وأمرهم أن يتناظروا حتى يعلم الدين الصحيح مع من منهم، فطالت المناظرة بينهم، فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا على رأي واحد، فناظروا بقية الأساقفة، وظهروا عليهم.
فعقد الملك لهؤلاء الثلاثمائة مجلسا خاصا، وجلس في وسطه، وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه، ودفعه إليهم، وقال لهم: (قد سلطتكم على المملكة، فاصنعوا ما بدا لكم مما فيه قوام دينكم، وصلاح أمتكم) .
فباركوا عليه، وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذد عنه. ودفعوا إليه الأمانة التي اتفقوا على وضعها، فلا يكون عندهم نصرانيا من لم يقر بها، ولا يتم له قربان إلا بها.
[ ١ / ١٦١ ]
وهي هذه: (نؤمن بالله الواحد الآب، خالق كل شيء، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابنه الأحد بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر أبيه. وهو الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء، الذي من أجلنا -معشر الناس- ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحمل به، ثم ولد من مريم البتول، وألم وشج، وقتل وصلب ودفن، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء.
ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الصادر من الآب والابن، الذي يتكلم على ألسنة الأنبياء، وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وبكنيسة واحدة جامعة رسولية، وبقيامة أبداننا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدين) .
فهذا هو العقد الذي أجمع عليه الملكية، والنسطورية، واليعقوبية، وهذه الأمانة هي الأمانة التي ألفها أولئك البتاركة والأساقفة والعلماء، وجعلوها شعار النصرانية.
[ ١ / ١٦٢ ]
وكان رؤساء هذا المجمع: بترك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت المقدس، فافترقوا عليها، وعلى لعن من خالفها، والتبري منه، وتكفيره.
ثم ذهب أريوس يدعو إلى مقالته، وينفر النصارى عن أولئك الثلاثمائة، فجمع جمعا عظيما، وصار إلى بيت المقدس، وخالف بكثير من النصارى لأولئك المجمع، فلما اجتمعوا قال أريوس: إن أولئك النفر تعدوا علي، وظلموني، ولم ينصفوني في الحجاج، وحرموني ظلما وعدوانا. فوافقه كثير من الذين معه، وقالوا: صدق. فوثبوا عليه، فضربوه حتى كاد أن يقتل لولا أن ابن أخت الملك خلصه. وافترقوا على هذه الحال.
ثم كان لهم مجمع ثالث بعد ثمان وخمسين سنة من المجمع الأول اجتمع الوزراء والقواد إلى الملك، وقالوا: إن مقالة الناس قد فسدت، وغلب عليهم مقالة أريوس، فاكتب إلى جميع البتاركة والأساقفة أن يجتمعوا، ويوضحوا دين النصرانية، فكتب الملك إلى
[ ١ / ١٦٣ ]