فصل
واعلم أن آيات النبوة ومعجزاتها لا تختص بحال التحدي أو حال دعوى النبوة، كما ظنه بعض أهل الكلام، بل تكون في حياة الرسول وقبل مولده وبعد وفاته.
لكن لا بد من آيات في حياته تقوم بها الحجة كما قال - ﷺ -: " «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر» ". وكما قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآيات، وقال - تعالى -: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾، فأخبر - سبحانه - أنه ضرب الأمثال لجميعهم وأهلكهم بعد إقامة الحجة عليهم.
والآيات في هذا كثيرة.
وكانت آيات نبينا - ﷺ - غير مختصة بما بعد البعثة، بل ظهرت آياته قبل مولده وعند مولده وحال نشأته، ثم ظهرت الآيات الكبار بعد بعثته.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
منها ما وقع مقارنا للتحدي، ومنها غير ذلك.
ثم استمرت آياته ومعجزاته بعد وفاته، وعلى مر السنين وتعاقب الدهور من وقوع ما أخبر به من الغيوب ومن ظهور دينه على الدين كله، واقتران العز والظهور بطاعته واتباع شريعته، والذل والصغار بإضاعة أمره ومخالفته، مما يبين ذلك للمتوسمين في عموم الناس، وفي خاصة أنفسهم.
وأكبر ذلك وأعظمه معجزة القرآن المستمرة على مر السنين، وبقاؤه محفوظا كما أنزل غضا طريا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
قال بعض أئمتنا:
ومما ينبغي أن يعلم أن الله إذا أرسل نبيا، وأتى بآية دالة على صدقه، قامت بها الحجة وظهرت بها المحجة، فمن طالب بآية ثانية لم تجب إجابته، بل وقد لا تنبغي، لأنه إذا جاء بثانية طولب بثالثة، فإذا جاء بها طولب برابعة، وطلب المتعنتين لا أمد له.
ومعلوم أن من قامت عليه الحجة في مسألة أو في حق من حقوق العباد التي يتخاصمون فيها، لو قال: أنا لا أقبل حتى تقوم علي حجة ثانية وثالثة، كان ظالما، ولم تجب إجابته، ولا يمكن الحكام الخصوم من ذلك، فحق الله الذي أوجب على عباده من توحيده والإيمان به وبرسله أولى.
[ ٢ / ٥٣٤ ]