ثم قد يكون في تتابع الآيات حكمة، فتتابع، كآيات محمد - ﷺ - لعموم دعوته، فإن الأدلة كلما كثرت كان أظهر، فقد يعرف دلالة أحد الأدلة من لا يعرف دلالة الآخر، وقد يبلغ هذا ما لا يبلغ هذا، وقد يرسل الأنبياء بآيات متتابعة، ويقسي قلوب الكفار عن الإيمان، لينتشر ذلك ويظهر، ويبلغ ذلك قوما آخرين، فيصير سببا لإيمانهم.
كما في التوراة: " أنه يقسي قلب فرعون، ليظهر عجائبه وآياته ".
وكما صد المكذبين بمحمد - ﷺ - حتى يسعوا في معارضته، والقدح في آياته، فيظهر بذلك عجزهم عن معارضة القرآن وغيره من آياته.
بخلاف ما لو اتبع ابتداء بدون ذلك، فإنه قد كان يظن أنهم قادرون على معارضته.
وكذلك - أيضا - يكون في ذلك من صبره وجهاده ويقينه وصبر أصحابه وأتباعه وجهادهم ما ينالون به عظيم الدرجات في الدنيا والآخرة.
وقد تقتضي الحكمة ألا يرسل بالآيات التي توجب عذاب الاستئصال، كما ذكره في كتابه العزيز، وكان الكفار يقترحون.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
فتارة يجيبهم، لما فيه من الحكمة، وتارة لا يجيبهم، لما فيه من المضرة.
وربما طلب الرسول تلك الآيات رغبة في إيمانهم، فيجاب بأنها لا تسلتزم الهدى، بل تستلزم إقامة الحجة، وتوجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها.
وقد بين الله - تعالى - أنه لا يظهرها لانتفاء المصلحة أو لوجود المفسدة.
قال - تعالى -: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ .
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وهذا المعنى مذكور في عامة كتب التفسير والحديث وغيرها.
كما ذكروا «عن ابن عباس قال: سأله أهل مكة أن يحول لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، حتى يزرعوا، فقيل: إن شئت تستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: بل أستأني بهم. فأنزل الله هذه الآية:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ . الآية.
» وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: رحمة لكم أيتها الأمة، إنا لو أرسلنا الآيات، فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم، وقد كانت الآيات تأتيه - ﷺ - آية بعد آية فلا يؤمنون بها.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
[ ٢ / ٥٣٧ ]
أخبر - سبحانه - أن الآيات تأتيهم فيكذبون بالحق، وأنهم سوف يرون صدق ما جاء به الرسول، كما أهلك من كان قبلهم بذنوبهم التي هي تكذيب الرسول، فإن الله يقول:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ .
وأخبر بشدة كفرهم بأنه لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا: إن هذا إلا سحر مبين.
ويبين - سبحانه - أنه لو جعل الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل، إذ كانوا لا يطيقون أن يروا الملائكة في صورهم، وحينئذ فكان اللبس يقع لظنهم أنه بشر لا ملك.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ .
وهذه الآيات التي اقترحوا لو أجيبوا بها ثم لم يؤمنوا، أتاهم عذاب الاستئصال. وأيضا هي مما لا يصلح، فإن تفجير الينبوع بمكة يصيرها واديا ذا زرع، والله - تعالى - من حكمته جعل بيته بذلك الوادي، لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا، فيكون حجه للدنيا لا لله.
وإذا كان للنبي - ﷺ - جنة كذلك كان فيه من التوسع في الدنيا ما ينقص درجته.
وكذلك إذا كان له بيت من زخرف - وهو الذهب - وإسقاط السماء لا يكون إلا يوم القيامة، وهو لم يخبرهم أنه لا يكون إلا يوم القيامة.
فقولهم - كما زعمت - كذب منهم، إلا أن يريدوا التمثيل فيكون القياس فاسدا.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلا، فلما سأل قوم موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة.
وأما إنزال الكتاب فقد قال - تعالى -:
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ . الآيات.
بين - سبحانه - أن المشركين سألوه إنزال الكتاب، وأن أهل الكتاب سألوه ذلك، وبين أن الطائفتين لم يؤمنوا إذ جاءهم ذلك، وإنما سألوه تعنتا.
فقال عن المشركين: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وذكر عن أهل الكتاب أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وأنهم مع ذلك نقضوا الميثاق، وكفرو بآيات الله، وقتلوا النبيين، إلى أمثال ذلك، وأنه بسبب ظلمهم وصدهم عن سبيل الله حرم عليهم طيبات.
ففيه من الاعتبار لهذه الأمة أن الأمة المكذبة إذا جاءتهم الآيات المقترحة لم يكن فيها منفعة لهم، بل توجب عقوبة الاستئصال، فكان ألا تنزل أعظم رحمة وحكمة.
وقد عرض الله - تعالى - على محمد - ﷺ - أن يهلك قومه لما كذبوه، فقال: " «بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» ".
كما في حديث عائشة - ﵂ - قالت: " «قلت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت»
[ ٢ / ٥٤١ ]
«رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل - ﵇ - فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوه عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، وسلم علي، وقال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك، لتأمرني بأمرك فيما شئت، فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. فقال - ﷺ -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا» ". أخرجه البخاري ومسلم. والأخشبان: جبلا مكة المحيطان بها.
ولما طلبت من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا لم يعذبه أحدا.
فكان قبل نزول التوراة يهلك الله المكذبين للرسل بعذاب الاستئصال.
وأظهر - تعالى - آيات كثيرة لما أرسل موسى، ليبقى ذكرها في الأرض، إذ كان بعد نزول التوراة لم يعذب أحدا بعذاب الاستئصال.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
بل قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ .
فكان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون من الكفر والمعاصي يعذب بعضهم ويبقي بعضهم، إذ كانوا لم يتفقوا على الكفر.
ولهذا لم يزل في الأرض أمة من بني إسرائيل باقية على الحق.
قال - تعالى -: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ .
وقال - تعالى -: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيتين.
وكان من حكمته ورحمته - ﷾ - لما أرسل محمدا - ﷺ - ألا يهلك قومه بعذاب الاستئصال، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب، كالذين قال فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ .
والذي دعا عليه أن يسلط عليه كلبا، وأمثال ذلك.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
قال - تعالى -: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ .
فأخبر أنه معذبهم تارة بأيدي المؤمنين، وتارة بعذاب غير ذلك.
فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم، كما جرى لقريش وغيرهم، فإنه لو أهلكهم كالذين قبلهم لبادوا، وانقطعت المنفعة عنهم، ولم يبق لهم ذرية تؤمن، بخلاف الأول، فإن فيه من إذلالهم وقهرهم ما يوجب عجزهم.
والنفوس إذا قدرت لا تكاد تنصرف عن مرادها، بخلاف ما إذا عجزت عن كمال أغراضها، فإنه يدعوها إلى التوبة، كما قيل: من العصمة ألا تقدر.
ولهذا آمن عامتهم، ولم يقتل منهم إلا القليل، وهم صناديد الكفر الذين كان أحدهم في هذه الأمة كفرعون في تلك الأمة.
كما روي عن النبي - ﷺ - «أنه قال عن أبي جهل: " هذا فرعون هذه الأمة» ".
وفي التوراة: (أني أقسي قلب فرعون، لتظهر آياتي وعجائبي) .
[ ٢ / ٥٤٤ ]
بين أن فيه من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض، إذ كان موسى قد أخبر بتكليم الله له، وبكتابة التوراة له. فأظهر الله له من الآيات ما يبقي ذكرها في الأرض.
وكان في ضمن ذلك من تقسية قلب فرعون ما أوجب أن أهلكه وقومه أجمعين.
وفرعون كان منكرا لله جاحدا لربوبيته لا يقر به، فلذلك أوتي من الآيات ما يناسب حاله.
وأما بنو إسرائيل مع المسيح فهم مقرون بالكتاب الأول، فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى ﵇.
ومحمد - ﷺ - لم يكن محتاجا إلى تقرير جنس النبوة، إذ كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك. وقومه كانوا مقرين بالله، وإنما الحاجة إلى تثبيت نبوته.
ومع هذا فأظهر الله على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم.
ومع هذا فلم يأت بآيات الاستئصال التي يستحق مكذبها العذاب العام العاجل.
فلهذا بين الله - تعالى - أنها إذا جاءت لا تنفعهم، إذ كانوا لا يؤمنون بها، ولكن تضرهم، ومع وجود المانع وعدم المقتضي لا يصلح الفعل.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
قال - تعالى -: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية.
فهو يعلم أن قلوب هؤلاء كقلوب أولئك، قال - تعالى -: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ .
وقال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ ذكره في السورة التي ذكر فيها انشقاق القمر، وإعراضهم عن الآيات، وقولهم: سحر مستمر، وتكذبيهم، واتباعهم أهواهم، وفيها: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أي: من أنباء الغيب ما يزجر عن الكفر، إذ كان في تلك الآيات بيان صدق الرسول، والإنذار لمن كذبه بالعذاب، كما عذب المتقدمين.
ولهذا يقول عقيب القصة: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، أي: كيف كان عذابي لمن كذب رسلي، وكيف كان إنذاري بذلك قبل مجيئه!.
وفيها: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ في قصة آل فرعون، لأنهم
[ ٢ / ٥٤٦ ]
كذبوا بجميع آيات موسى وجميع آيات الأنبياء قبله، وكذبوا بجميع الآيات الدالة على وجود الرب - تعالى - وقدرته ومشيئته.
ثم قال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أي: أيتها الأمة ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ الذين كذبوا نوحا، ومن بعده ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ . وذلك كونكم لا تعذبون مثلهم، إما لكونكم خيرا منهم لا تستحقون ما استحقوا، أو يكون الله أخبر أنه لا يعذبكم، فإن ما يفعله الله تارة يعلم بخبره، وتارة يعلم بمشيئته، وحكمته وعدله، فإما أن تكونوا علمتم هذا من هذا الوجه، أو من هذا الوجه.
هذا إن نظر إلى فعل الله الذي لا طاقة للبشر به.
وإن نظر إلى قوة الرسول، فيقولون: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، فإنهم أكثر وأقوى، فقال - تعالى -: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ .
وهذا أخبر به وهو بمكة في قلة الأتباع، ولا يظن أحد بالعادة المعروفة أن أمره يعلو قبل أن يهاجر ويقاتل، فكان كما أخبر، فإنهم يوم بدر وغيرها هزموا، وتلك سنة الله في المؤمنين والكافرين.
وحيث ظهر الكفار فلذنوب المسلمين التي نقصت إيمانهم.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، كما قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يهلكهم هلاك الاستئصال كالذين قبلهم كان ألا يأتي بموجب ذلك، مع إتيانه - سبحانه - بما يقيم الحجة، ويوضح المحجة أكمل في الحكمة والرحمة.
إذ كان ما أتى به من الآيات حصل به كمال الخير والمصلحة والهدى، والبيان والحجة على من كفر.
وما امتنع منه دفع به من العذاب العام ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى يهتدوا.
وكان في إرسال محمد - ﷺ - لما كان خاتم الرسل من المنن السابقة ما لم يكن في رسالة رسول غيره صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
[ ٢ / ٥٤٨ ]