فصل
وأما قول النصراني: "إن يشوع هو على ما يعترف به المسلمون المسيح الموعود به في التوراة وكتب الأنبياء، ويسميه محمد بكلمة الله وروحه، ويقول: إنه لم يكن له أب من البشر، وأما محمد فهو مولود على الطريق المعتاد في الطبيعة".
فالجواب عنه -ومن الله التأييد- أن نقول:
أما الثناء على عيسى -﵇- وتنزيهه وتنزيه أمه -﵉- عن فرية المفترين وكذب الكاذبين فقد جاء بذلك نبينا -ﷺ-، وذلك تصديق نص الإنجيل الذي قدمنا ذكره في وصف الفارقليط، حيث قال: "وهو يمجدني".
فلم يمجده تمجيده الحق إلا محمد -ﷺ-، فإنه جاء بتنزيه أخيه المسيح عن فرية المكذبين له وفرية المغالين فيه، وأتى فيه بالقول الحق والمذهب الوسط بين غلو النصارى وإطرائهم، وبين تكذيب اليهود وجفائهم.
قال الله -تعالى- في كتابه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ .
وقال -تعالى-: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة.
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من شهد أن لا إله»
[ ١ / ٣٣٦ ]
«إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» .
فهذا ما يعترف به المسلمون من أمر المسيح -﵇ -.
وأما كون ذلك يقتضي تفضيله على خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم فكلا ولما. ولكنه آية من آيات الله الدالة على قدرته على ما يشاء، حيث أوجده من أم بلا أب، بل خلقه بكلمة "كن" كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
فالله -تعالى- خلق البشر على أربعة أنواع من الخلق: فخلق آدم -﵇- من تراب من غير أب ولا أم، وخلق حواء من أب لا أم، حيث خلقها من ضلع آدم، وخلق عيسى -﵇- من أم بلا أب، وخلق سائر البشر من بين الأم والأب -فتبارك الله أحسن الخالقين-.
وهذا التنويع في الخلق دال على قدرة الخلاق وكمال ربوبيته، وأنه ما شاء كان، وأنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، وألا يجعل له ند من خلقه -تعالى الله عما يشركون-.
وليس في خلق عيسى -﵇- من أم بلا أب ما يقتضي
[ ١ / ٣٣٧ ]
تفضيله على إبراهيم -إمام الحنفاء وخليل الرحمن-، ولا على موسى -كليم الله ونجيه-، فضلا عن أن يدل على تفضيله على خاتم الأنبياء وسيد الخلق في الدنيا والآخرة.
وكما أن تخصيص آدم من تراب لا يقتضي تفضيله على غيره، فكذلك عيسى -﵇-.
وأيضا فخلق حواء - ﵍ - من غير أم لا يقتضي تفضيلها على مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وأمها خديجة،
[ ١ / ٣٣٨ ]
وعائشة، وآسية امرأة فرعون، فقد جاءت الأحاديث بفضلهن على سائر النساء.
فعرفت أنه ليس في ولادة محمد -ﷺ- على الطريق المعتاد في الطبيعة ما يحط رتبته أو يقدح في فضيلته أو يقتضي تفضيل مخلوق عليه، فإن الكل اشتركوا في أن الله -تعالى- أوجدهم من العدم، وخلقهم بعد أن لم يكونوا على ما اقتضته حكمته، ثم اختص من شاء منهم بما شاء، وفضل بعضهم على بعض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات على وفق ما قضاه في الأزل، وجرى به قلم التقدير، واقتضاه اختيار الرب -تعالى- اصطفاءه. كما قال -تعالى-: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ .
وأيضا فعيسى -﵇- حملت به أمه، وتقلب في رحمها، ووضعته على الطريق المعتاد في حمل النساء وولادتهن، فهل كان ذلك نقصا في حقه وحطا لرتبته؟ !.
وإذا لم يكن كذلك تحقق أن ميلاد محمد -ﷺ- بين أبوين لا نقص فيه، إذ خصائص البشرية من خلقته من ضعف، ثم حاجته إلى الطعام والشراب أمر لا ينفك منه بشر.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وهذا برهان قاطع على بطلان ربوبية المسيح وأمه، كما نبه -تعالى- على ذلك في قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
فليس من تعظيم الأنبياء الغلو فيهم ومجاوزة الحد برفعهم عن منزلة العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية، كما هو مذهب النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، بل غلوا في أتباعه، وادعوا فيهم العصمة، اتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صدقا أو كذبا، ولهذا قال -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
وفسر النبي -ﷺ- لعدي بن حاتم عبادتهم
[ ١ / ٣٤٠ ]
إياهم: بأنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه.
وقال الله -تعالى-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الآية.
وقال -تعالى-: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ .
ومعنى الآية: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا ابن مريم حتى تبالغوا في تعظيمه، حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل، أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقد حذر النبي -ﷺ- أمته من الغلو، وأن يصنعوا مثل صنيعهم، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله» .
ولفظ البخاري: «فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» .
وقال الإمام أحمد: ثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس: «أن رجلا قال: يا محمد،»
[ ١ / ٣٤٢ ]
«يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسوله الله -ﷺ-:
يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» .
[ ١ / ٣٤٣ ]