فصل
ولا بأس بذكر مناظرة حكاها بعض العلماء جرت بينه وبين بعض النصارى ممن يدعي التحقيق والتعمق في مذهبه.
قال: قال لي النصراني: ما الدليل على نبوة محمد؟
فقلت له: كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد -ﷺ-[فإن رددنا التواتر أو قبلناه، لكن قلنا: إن المعجزة لا تدل على الصدق فحينئذ تبطل نبوة سائر الأنبياء، وإن اعترفنا بصحة التواتر، واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق، ثم إنهما حاصلان في حق محمد -ﷺ- وجب الاعتراف قطعا بنبوته ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول] .
فقال النصراني:
إني لا أقول في عيسى: إنه كان نبيا، بل أقول: كان إلها.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فقلت له:
هذا الذي تقوله باطل، لأن الإله هو واجب الوجود لذاته، وعيسى هو هذا الشخص البشري الذي وجد بعد أن كان معدوما، قتل -على قولك- بعد أن كان حيا، فكان أولا طفلا، ثم صار مترعرعا، ثم صار شابا، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ.
وقد تقرر في بداية العقول أن المحدث لا يكون قديما، والمحتاج لا يكون غنيا، والممكن لا يكون واجبا، والمتغير لا يكون دائما.
هذا وجه.
والوجه الثاني:
في إبطال هذه المقالة: أنكم معترفون بأن اليهود أخذوه، وصلبوه، وتركوه حيا على الخشبة، وفعلوا معه من الإهانة والأذى ما تدعونه، وأنه كان يحتال في الهرب منهم وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد. فلو كان إلها، أو كان الإله حالا فيه، أو كان جزءا من الإله حالا فيه فلم لم يدفعهم عن نفسه؟ ولم يهلكهم بالكلية؟ وأي حاجة به إلى إظهار الجزع والاحتيال في الفرار منهم؟.
الوجه الثالث:
وهو أنه إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال حل الإله بكليته فيه، أو حل بعض الإله وجزء منه فيه.
والأقسام الثلاثة باطلة:
[ ١ / ٣٩٤ ]
أما الأول - فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم فحين قتلته اليهود كان ذلك قولا بأن اليهود قتلوا إله العالم فكيف بقي العالم بعد ذلك بغير إله؟.
ثم إن أشد الناس ذلا ودناءة اليهود، فالإله الذي يقتله اليهود إله في غاية العجز!.
وأما الثاني - وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم - فهو -أيضا- فاسد، لأن الإله إن لم يكن جسما ولا عرضا امتنع حلوله في الجسم.
وإن كان جسما فحينئذ يكون حلوله في الجسم عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك الجسم. وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله.
وإن كان عرضا كان محتاجا إلى غيره. وذلك محال في حق الإله.
وأما الثالث - وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله وجزء من أجزائه - فذلك -أيضا- محال، لأن ذلك الجزء إن كان معتبرا في الإلهية فعند انفصاله عن الإله وجب أن لا يبقى الإله إلها، وإن لم يكن معتبرا في تحقيق الإلهية لم يكن جزءا من الإله.
فثبت فساد هذه الأقسام، فكان قول النصارى باطلا.
[ ١ / ٣٩٥ ]
الوجه الرابع:
في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى -﵇- كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله -تعالى-. فلو كان إلها لاستحال ذلك، لأن الإله لا يعبد نفسه.
فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور دالة على فساد قولهم. انتهى.
وبالجملة، فالأمر كما قال أبو عبد الله ابن القيم: إن دين الأمة الصليبية بعد أن بعث الله محمدا -ﷺ-، بل قبله بنحو من ثلاثمائة سنة مبني على معاندة العقول والشرائع وتنقص إله العالمين ورميه بالعظائم، فكل نصراني لا يأخذ بحظه من هذه البلية فليس بنصراني على الحقيقة.
أفليس هو الدين الذي أسسه أصحاب المجامع المتلاعنين على أن الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد؟
فيا عجبا! كيف يرضى العاقل أن يكون هذا مبلغ علمه ومنتهى عقله؟ أترى لم يكن في هذه الأمة من يرجع إلى عقله وفطرته، ويعلم أن هذا عين المحال، وإن ضربوا له الأمثال، واستخرجوا له الأشباه، فلا يذكرون مثالا ولا شبها إلا وفيه بيان خطئهم وضلالهم كتشبيه
[ ١ / ٣٩٦ ]
بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت، وامتزاجه به باتحاد النار والحديد، وتمثيل بعضهم ذلك باختلاط الماء باللبن، وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء واختلاطه بأعضاء البدن إلى غير ذلك من الأمثال والمقاييس التي تتضمن امتزاج حقيقتين واختلاطهما حتى صارتا حقيقة أخرى، تعالى الله عن كذبهم وإفكهم.
ولم يقنعهم هذا القول في رب السماوات والأرض حتى اتفقوا بأسرهم على أن اليهود أخذوه، وساقوه بينهم ذليلا مقهورا، وهو يحمل خشبته التي صلبوه عليها، وأن اليهود يبصقون في وجهه، ويضربونه، ثم صلبوه، وطعنوه بالحربة حتى مات، وتركوه مصلوبا حتى التصق شعره بجلده لما يبس دمه بحرارة الشمس، ثم دفن، وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره.
هذا قول جميعهم ليس فيهم من ينكر منه شيئا فيا للعقول! كيف كان حال هذا العالم الأعلى والأسفل في هذه الأيام الثلاثة؟ ومن كان يدبر السماوات والأرض؟ ومن الذي خلف الرب -سبحانه- في هذه المدة، ومن كان الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض وهو مدفون في قبره؟.
ويا عجبا! هل دفنت الكلمة معه بعد أن قتلت وصلبت أم فارقته وخذلته أحوج ما كان إلى نصرها له كما خذله أبوه وقومه؟، فإن
[ ١ / ٣٩٧ ]
كانت فارقته وتجرد منها فليس هو حينئذ المسيح، وإنما هو كغيره من آحاد الناس، وكيف يصح مفارقتها له بعد أن اتحدت به، ومازجت لحمه ودمه؟ ! وأين ذهب الاتحاد والامتزاج؟، وإن كانت لم تفارقه وقتلت وصلبت ودفنت معه فكيف وصل المخلوق إلى قتل الإله وصلبه ودفنه؟.
ويا عجبا! أي قبر يسع إله السماوات والأرض؟.
هذا وهو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون!.
أعباد المسيح لنا سؤال نريد جوابه ممن وعاه
إذا مات الإله بفعل قوم أماتوه فما هذا الإله؟
وهل أرضاه ما نالوه منه فبشراهم إذا نالوا رضاه
وإن سخط الذي فعلوه فيه فقوتهم إذا أوهت قواه
وهل بقي الوجود بلا إله سميع يستجيب لمن دعاه؟
وهل خلت الطباق السبع لما ثوى تحت التراب وقد علاه
وهل خلت العوالم من إله يدبرها وقد شدت يداه؟
وكيف تخلت الأملاك عنه بنصرهم وقد سمعوا بكاه؟
وكيف أطاقت الأخشاب حمل إله الحق مشدودا قفاه؟
[ ١ / ٣٩٨ ]
وكيف دنا الحديد إليه حتى يخالطه ويلحقه أذاه؟
وكيف تمكنت أيدي عداه وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟
وهل عاد المسيح إلى حياة أم المحيي له رب سواه؟
ويا عجبا لقبر ضم ربا وأعجب منه بطن قد حواه!
أقام هناك تسعا من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه
وشق الفرج مولودا صغيرا ضعيفا فاتحا للثدي فاه
ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك هل هذا إله؟
تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كلهم عما افتراه
فيا عبد المسيح أفق فهذي بدايته وهذا منتهاه
[ ١ / ٣٩٩ ]