وعلى إفراده -سبحانه- بالعبادة، وتصديق جميع رسله، والإيمان بملائكته، وكتبه، والإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار، وغير ذلك من أصول الإيمان وقواعد الدين.
كما قال -تعالى- في كتابه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «نحن - معشر الأنبياء - إخوة العلات، ديننا واحد» ، يعني: ذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله.
[ ١ / ١٩٧ ]
وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما، ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس، وخفيفا فيزاد بالشدة في هذه دون هذه، وذلك لما لله -تعالى- في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الدامغة.
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قول الله -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: " السنن مختلفة: في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة، يحل فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.
والدين الذي لا يقبل غيره: التوحيد والإخلاص الذي جاءت به الرسل ".
والمقصود: أن شريعة محمد -ﷺ- موافقة لدين المسيح في التوحيد وأصول الديانات، وإن خالفته في بعض ما دون ذلك من الشرائع، لكنها مخالفة لما ابتدعه ضلال النصارى، واخترعوه من قبل أنفسهم، وبدلوا به دين المسيح، من الغلو في المخلوق حتى أنزلوه منزلة الخالق، وادعوا أنه الله، وأنه ابن الله - تعالى الله، وتقدس، وتنزه عن قولهم علوا كبيرا -، وكذا ما بدلوه من فروع
[ ١ / ١٩٨ ]
دين المسيح -﵇- كاستحلال الميتة والخنزير، وإحداث البدع في العبادات مما نسخوا به دين المسيح -﵇-، فبعث الله رسوله محمدا -ﷺ- يدعوهم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وإلى متابعة عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم وتصديقه في بشارته بخاتم الرسل، وسيدهم في الدنيا والآخرة - الذي هو أولى الناس به، كما ثبت عن رسول الله -ﷺ- أنه قال:
«أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» . أخرجه البخاري ومسلم.
(وإخوة العلات: أبناء أمهات شتى من رجل واحد) .
أما ما ذكره النصراني من وقوع الفتوحات على أيدي العرب، ثم انتقال الدولة إلى غيرهم، ففي ضمنه دليلان من أدلة الرسالة المحمدية، وعلمان من أعلامها:
الأول: أن النبي -ﷺ- أخبر بتلك الفتوحات، وبلوغ دينه إلى المشارق والمغارب، وظهور أمته على فارس والروم، فوقع ذلك على وفق ما أخبر، كما سيأتي ذكر الأحاديث بذلك -إن شاء الله تعالى-، فكان ذلك دليلا على صدقه.
[ ١ / ١٩٩ ]