وأنه رفعه إليه، وأنه باق حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية؛ أي: لا يقبلها من أحد، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف.
وأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه وبعد نزوله إلى الأرض.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل عيسى ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها.
ثم قال أبو هريرة اقرؤوا: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾» .
[ ١ / ٢٢٦ ]
وروى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال:
«الأنبياء إخوة العلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان مخضران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقذف الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة في الأرض، ثم ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات، لا تضرهم، فيمكث في الأرض أربعين سنة، فيتوفى، ويصلي عليه المسلمون» .
والأحاديث في هذا المعنى والأخبار بنزول عيسى كثيرة مقطوع بها، وهذا كله معلوم من نعته عند أهل الكتاب.
لكن النصارى ظنوا أن نزوله ومجيئه مرة أخرى إنما يكون يوم القيامة، فغلطوا في مجيئه الثاني، كما غلطوا في مجيئه الأول حيث ظنوا أنه الله.
واليهود أنكروا مجيئه الأول وظنوا أنه غير المبشر به، وصاروا ينتظرون غيره، وإنما بعث إليهم أولا، فكذبوه، فجاء القرآن بالحق من
[ ١ / ٢٢٧ ]
أمره وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت فيه أقوالهم، وخرجوا عن الحق، فتنقصه اليهود، ورموه بالعظائم، وأطراه النصارى، فادعوا فيه الربوبية - تعالى الله عن قول هؤلاء وقول هؤلاء علوا كبيرا -.
والنصارى لم يؤمنوا بنزوله قبل يوم القيامة لم ينفصلوا عن شبهة اليهود المأخوذة من نعت زمان المسيح المذكور في التوراة - كما أشرنا إليه قريبا -، واضطروا إلى تأويل ذلك الوصف على المجاز البعيد الذي يعلم كل أحد أنه غير مراد.
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على أن الأنبياء أنذرت بالمسيح الدجال، وعلى أن الأنبياء بشروا بالمسيح من ولد داود، ومتفقون على أن مسيح الضلالة له آيات، وعلى أن مسيح الهدى سيأتي أيضا.
ثم المسلمون والنصارى متفقون على أنه عيسى، واليهود تنكر ذلك مع إقرارهم أنه من ولد داود. قالوا: لأنه تؤمن به الأمم كلها، والنصارى مقرون بأنه بعث، وأنه سيأتي، لكن يقولون: يوم القيامة، ليجزي الناس بأعمالهم.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وأما المسلمون فآمنوا بما أخبرت به الأنبياء على وجهه. وهو موافق لما أخبر به خاتم الرسل في الأحاديث المشار إليها.
الوجه الرابع:
ما اعترف به النصراني في المقالة الأولى من كتابه من حصول الاختلاف بين النصارى في صحة بعض هذه الكتب التي هي عمدتهم في الدين - بزعمهم -، وأنهم في أول الأمر شاكون فيها، كرسالة بطرس الثانية، ورسالتي يعقوب ويهوذا، والرسالتان المنسوبتان إلى يوحنا، أي: الرؤيا والرسالة إلى العبرانيين.
ولم يجب النصراني عن هذا الإيراد إلا بأنها كانت مقبولة في بعض الكنائس، ثم بعد ذلك حصل اتفاق النصارى عليها.
[ ١ / ٢٢٩ ]