القسم الثاني:
ما اتفق على التمدح بكثرته والفخر بوفوره كالنكاح والجاه.
أما النكاح فمتفق عليه شرعا وعادة، فإنه دليل الكمال، وصحة الذكورية. ولم يزل التفاخر عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية.
وأما في الشرع فسنة مأثورة من سنن المرسلين، معلومة من سيرتهم عند المتقدمين والمتأخرين من الموافقين والمخالفين.
وله مصالح عديدة لأجلها شرعه الله -تعالى-، ومقاصده الأصلية ثلاثة:
أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل المدة التي قدر الله تعالى - بروزها إلى هذا العالم.
وهذه مصلحة عظيمة دالة على فضيلة النكاح، والشرائع جاءت بتحصيل المصالح.
الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتقانه واحتباسه بجملة البدن وهذا فيه من حفظ الصحة ما تقتضي الحكمة مشروعيته، واستحسانه من أجله.
الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة.
وهذه هي الفائدة التي في الجنة؛ إذ لا تناسل هناك يستفرغه الإنزال.
لكن النصارى ينكرون النعيم الجسماني في الجنة، وما أخبرت به الأنبياء من المآكل والمشارب والملابس والمناكح.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فحقيقة قولهم إنكار المعاد الذي أخبرت به الرسل، فقد كفروا بالله وبرسله وباليوم الآخر.
والمقصود: التنبيه على فضيلة النكاح، وكان فضلاء الأطباء يرون أن الجماع أحد أسباب حفظ الصحة، وقد قالوا: إن المني إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة، منها: الوسواس، والجنون، والصرع وغير ذلك، وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا، فإنه إذا طال احتباسه فسد، واستحال إلى كيفية رديئة توجب أمراضا رديئة، ولذلك تدفعه الطبيعة إذا كثر عندها من غير جماع.
وقال محمد بن زكريا:
" من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه، واستدت مجاريها، وتقلص ذكره "، قال: " ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف، فبردت أبدانهم، وعسرت حركاتهم، ووقعت عليهم كآبة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم " انتهى.
ومن منافعه غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وآخرته،
[ ١ / ٣٢٥ ]
وينفع المرأة، فمشروعيته للأنبياء ومحبتهم له يحمل المقتدي بهم على تحصيله، فيترتب عليه ما ذكرنا من المصالح وغيرها.
فقد ظهر بما قررناه أن النكاح فضيلة يرغب فيها الأفاضل، ولا يقدح في فضله إلا غبي جاهل، ولذلك كان رسول الله -ﷺ- يتعاهده، ويحبه، ويقول: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
وحث على التزويج أمته فقال: «تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم» .
«وأنكر على النفر من أصحابه الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبدا. فقال رسول الله -ﷺ-: إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . أخرجه البخاري ومسلم.
«وقال لعثمان بن مظعون: أرغبة عن سنتي؟ قال: لا والله، يا رسول»
[ ١ / ٣٢٦ ]
«الله، ولكن سنتك أطلب، فقال النبي -ﷺ-: فإني أنام وأصلي، وأصوم، وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم» . أخرجه أبو داود.
فحب النساء والنكاح من كمال الإنسان، ولو كان نقيصة أو قدحا في الفضيلة لصان الله عنه أنبياءه ورسله الذين اصطفاهم على العالمين.
هذا خليل الله إبراهيم - إمام الحنفاء - كانت عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر، وتسرى بها.
وهذا داود -﵇- على زهده وأكله من عمل يده - كان عنده تسع وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة، وتزوج بها، فكمل المائة.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وهذا سليمان ابنه -﵇- كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة.
قال ابن عباس: " كان في ظهر سليمان مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة وثلاث مائة سرية ".
وحكى النقاش وغيره: " سبع مائة امرأة وثلاث مائة سرية ". ذكره القاضي.
ولكون النكاح بهذه المثابة من الفضيلة، وقال بعض العلماء: إن ثناء الله على يحيى -﵇- بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوبا، لا ذكر معه.
قال عياض: " أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء. وإنما معناه أنه معصوم
[ ١ / ٣٢٨ ]
من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصر عنها. وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، وقيل: ليس له شهوة في النساء ". انتهى.
وأما ما أشار إليه النصراني من ترك عيسى -﵇- للتزويج فليس فيه دلالة على أن ذلك أفضل، لأنا قد بينا بالأدلة الواضحة شرعا وعقلا أفضلية التزويج، وأن عدم القدرة على النكاح ليس فضيلة، فالفضل في كونها موجودة.
ثم يختلف حال الشخص فمن يتسع وقته للقيام بحقوق الزوجية فقمع نفسه إما بالمجاهدة كعيسى -﵇- أو بكفاية من الله -تعالى- كيحيى بن زكريا - ﵉ - فذلك فضيلة من هذا الوجه، لكون التزويج شاغلا في كثير من الأوقات حاطا إلى الدنيا، أو معرضا لتضييع الحقوق الواجبة فيه.
ثم هو في حق من قدر عليه وقام بالواجب فيه ولم يشغله عن ربه درجة عليها وهي درجة نبينا محمد -ﷺ- الذي لم تشغله كثرة النساء عن عبادة ربه - ﷿ -، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن، وقيامه بحقوقهن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن، ونقلهن للأمة محاسنه الباطنة، بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال:
[ ١ / ٣٢٩ ]
«حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
فدل على أن حبه للنساء والطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره، واستعماله لذلك ليس لدنياه بل لآخرته، للفوائد التي ذكرناها في التزويج، وللقاء الملائكة في الطيب، ولغير ذلك.
وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه، ومناجاته، ولذلك ميز بين الحبين، وفصل بين الحالتين، فقال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» . فقد ساوى يحيى وعيسى في كفايته فتنتهن، وزاد فضيلة في القيام بهن.
وأما الجاه - فهو كما قال القاضي أبو الفضل - " محمود عند العقلاء عادة، وبقدر جاهه تكون عظمته في القلوب، لكن آفاته كثيرة، فهو مضر لبعض الناس لعقبى الآخرة، فلذلك ذمه من ذمه، ومدح ضده، وورد في الشرع مدح الخمول، وذم العلو في الأرض.
وكان -ﷺ- قد رزق من الحشمة والمكانة في القلوب والعظمة قبل النبوة عند أهل الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه
[ ١ / ٣٣٠ ]