فصل
وأما قول النصراني:
" فمن ذا الذي لا ينظر أيهما أولى أن يتبع ".
فالجواب:
أن من نظر لنفسه، ونصحها، ونظر بعين البصيرة والعقل الصحيح - في دلائل نبوة محمد -ﷺ- وكثرة فضائله وظهور معجزاته، وشواهد نبوته، وشهادة الله له بالصدق، بما أيده به من عظيم الآيات - لا يعتريه شك، ولا يخالجه ريب، ولا يقف أدنى وقفة في وجوب اتباعه -ﷺ-، والدخول في دينه، والسلوك على منهاجه، وذلك هو حقيقة اتباع المسيح -﵇-، والإيمان به، لأنه بشر به، وعهد إلى اتباعه بالإيمان به ونصرته، كما أخذ الميثاق بذلك على النبيين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
[ ١ / ٤١٣ ]
قال علي بن أبي طالب، وابن عمه عبد الله بن العباس: " ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ الله عليه الميثاق: لئن بعث محمدا وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه ".
وأيضا فالنظر في أيهما أولى أن يتبع فاسد بعد ظهور دلائل نبوة محمد -ﷺ- ظهورا أظهر من شمس الظهيرة.
وقد دعا الناس جميعا إلى اتباعه، وأخبر أنه رسول الله إليهم جميعا، وأن شرائع الأنبياء منسوخة بشرعه، وأن من سمع به من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لم يؤمن به فهو من أهل النار.
وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ فأجيبوا عن هذه الدعوى بقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذا الجواب مع اختصاره قد تضمن المنع والمعارضة:
أما المنع فما تضمنه حرف " بل " من الإضراب، أي: ليس الأمر كما قالوا.
وأما المعارضة ففي قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، أي: نتبع أو اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا.
[ ١ / ٤١٤ ]
وفي ضمن هذه المعارضة إقامة الحجة على أنها أولى بالصواب مما دعوتم إليه من اليهودية أو النصرانية، لأن وصف صاحب الملة بأنه حنيف غير مشرك، ومن كانت ملته الحنيفية والتوحيد فهو أولى بأن يتبع ممن ملته اليهودية أو النصرانية، فإن الحنيفية والتوحيد دين جميع الرسل الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وهو الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فمن كان عليها فهو المهتدي لا من كان يهوديا أو نصرانيا، فإن الحنيفية تتضمن الإقبال على الله بالعبادة، والإجلال، والتعظيم، والمحبة، والذل. والتوحيد يتضمن إفراده بهذا الإقبال دون غيره، فيعبد وحده، ويحب وحده، ويطاع وحده، ولا يجعل معه إله آخر، فمن أولى بالهداية؟ صاحب هذه الملة أو ملة اليهودية والنصرانية؟ ولم يبق بعد هذا للخصوم إلا أن يقولوا: فنحن على ملته -أيضا- لم نخرج عنها، وإبراهيم وبنوه كانوا هودا أو نصارى. فأجيبوا عن هذا السؤال بأنهم كاذبون فيه، وأن الله -تعالى- قد علم أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، فقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقرر -تعالى- هذا الجواب في سورة آل عمران في قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
[ ١ / ٤١٥ ]
أو أن يقولوا: نحن وإن انتحلنا هذا الاسم فنحن على ملته، فأجيبوا عن هذا بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، فهذه للمؤمنين.
ثم قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فإن أتوا من الإيمان بمثل ما أتيتم به فهم على ملة إبراهيم، وهم مهتدون، وإن لم يأتوا بإيمان مثل إيمانكم فليسوا من إبراهيم وملته في شيء، وإنما هم في شقاق وعداوة، لأن ملة إبراهيم الإيمان بالله وكتبه ورسله، وألا يفرق بين أحد منهم، فيؤمن ببعضهم، ويكفر ببعضهم، فإذا لم يأت بهذا الإيمان فهم بريئون من ملة إبراهيم مشاقون لمن هو على ملته.
ثم قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فهذا من أعلام نبوته -ﷺ -، فإنه أخبر بكفاية الله له شقاق اليهود والنصارى وعداوتهم، فوقع كما أخبر، ومكنه الله من ديارهم وأموالهم حتى صاروا أذلاء تحت أمره وأمر أتباعه، فلله الحمد كما هو أهله.
[ ١ / ٤١٦ ]